اشتراك المصدر الميمي واسمَ المكان في صيغة

د. بلو محمد ، مصطفى محمد كبير 2021-01-05

ملخص البحث

إن هذه المقالة تحمل عنوان "اشتراك المصدر الميمي واسمَ المكان في صيغة "مَفْعَل" في قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة لمحمود سامي البارودي"، وتهدف إلى دراسة الألفاظ الواردة في القصيدة على وزن "مَفْعَل" لِتُمِيطَ لِثاما حاجبا عن الدارس منزلتَها بين المصدر الميمي واسم المكان في سياقات أبياتها، وتنتهج في الدراسة منهج استقراءٍ لاستخراج الصيغ في القصيدة ثم تدرسها دراسة صرفية، ويتم ذلك بتطبيق الدراسة على النتائج التي تم التحصيل عليها، وأنَّ المصدر الميمي على وزن "مَفْعَل" ورد في القصيدة خمس عشرة مرة، وأن اسم المكان ورد فيها ست عشرة مرة.

مقدمة

إن البارودي هو محمود سامي الجركسي المصري، الأديب الشاعر ومجدد الشعر العربي، ورائد النهضة الشعرية المعاصرة، وزعيم مدرسة البعث والإحياء، والقنطرة بين عصر الانحطاط وعصر النهضة.

ولد في اليوم السادس من شهر أكتوبر عام ثمان وثلاثين وثمان مائة وألف من الميلاد في حي باب الخلق بالقاهرة بمصر لأبوين في بيت مؤثّل وأسرة ثرية من الجراسكة[1]  وكان أبوه حسن حسني بِكْ البارودي من أمراء المدفعية في عهد محمد علي باشا والي مصر، وكان جده لأبيه عبد الله بِكْ الجرسكي كشافا، وكان أحد أجداد الشاعر مراد بن يوسف شاويش ملتزما في العصر العثماني لبلدة (آيتاي البارود) إحدى بلاد محافظة البحيرة، ومن ثَمَّ لُقِّب جدُّه مراد بالبارودي نسبة إليها.

توفي والده وهو ابن سبعِ سنوات، فذاق طعم الحرمان منذ الصغر، لكنه أبى على نفسه إلا أن يكون فارسًا كأبيه مع ما عانى من مصاعب الحياة.[2]

تلقى دروسه الأولية في البيت حتى بلغ الثانية عشر من عمره، فأخذ مبادئ العلوم على أساتذة كانوا يحضرون في منزله، ثم التحق بالمرحلة التجهيزية من "المدرسة الحربية المفروزة" عام 1851م وانتظم فيها يدرس فنون الحرب، وعلوم الدين واللغة والحساب والجبر، وتخرج فيها في السادسة عشرة من عمره، وقد قيل إنه تعاطى صناعة الشعر في أثناء دراسته، ولم يستطع استكمال دراسته العليا، والتحق بالجيش السلطاني.[3]

وقد تجلت مواهبه الشعرية في سن مبكرة بعد أن استوعب التراث العربي وقرأ روائع الشعر العربي والفارسي والتركي.[4]

ويمتاز البارودي بشخصية امتلكت عدة مواهب ومكارم ما تيسرت لغيره من معاصريه، فقد كان فارسًا وقائداً وشاعراً وذا نسب شريف، ومجدداً للأدب العربي الحديث ورائداً له في وقت انخمدت فيه نار الشعر وانحطت منزلته، وصار كلفةً من صور البديع والمحسنات، على عدة قرون اتسمت بعصر الانحطاط.[5]

فهو شاعر أتى في هذه الفترة الراكدة وشكّل حلقة وصلٍ بين التراث العربي القديم الذي بدأ ينهار بعد سقوط دولة بني العباس وبين العصر الحديث الذي تفجرت طاقاته بالنهضة العلمية والفكرية التي سادت أوروبا، والتي بدأت إرهاصاتها في مصر في القرن التاسع عشر.[6]فقرأ المئات من قصائد الجاهلين والمخضرمين وفحول المحدثين، ولا يُعرف أحد بين أبناء جيل البارودي أو أبناء الجيل الذي تلاه قرأ مثل ما قرأ من دواوين العرب واستفاد من صياغتها كما استفاد.[7]

وقد عزل الباروديَّ رئيسُ الوزراء بعد عودته من حرب البلقان ليجد حركة الجيش التي مهدت للثورة الأعرابية، لتعاطفه مع الثورة، فذهب الريف معتزلًا الحياة السياسية، فثَمَّ سطَرَ أروع قصائده، منها قصيدته المطوّلة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خلّف ديوان شعره الضخم، الذي عكف على تنسيقه وترتيبه ومراجعته وشرح غريبه والتعليق عليه قبل وفاته،[8] ومن أعماله الأدبية الهامة المختارات التي جمعها من عيون الشعر العربي في أربعة أجزاء، اختارها البارودي لثلاثين شاعرًا من كبار شعراء العصر العباسي، قام هو بشرحها والتعليق عليها، وأخيرًا تلك المختارات من النثر التي سماها "قيد الأوابد" والتي جمع فيها عيون الرسائل والخطب والتوقيعات.

وتوفي محمود سامي البارودي في 12 ديسمبر 1904م بعد سلسلة من الكفاح والنضال من أجل استقلال مصر وحريتها وعزتها.[9]

أما عن قصيدته التي كانت مادَّةَ هذه المقالة (قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة) فهي قصيدة في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذكر سيرته قبل ولادته وبعدها ورضاعته، وما حدث قبل بعثته من أمانته وإرهاصاته ومعاملته مع الناس، وبعثته، وما جلب ذلك له من الأعداء، ومعجزاته، ودعوته، واستجابة بعضٍ له وإباءة بعض، وهجرته، وغزواته، وانتصاراته على الذين عادَوْه، وغير ذلك، والقصيدة في سبعة وأربعين وأربعمائة بيتٍ، من بحر البسيط، وهي ميمية القافية.

فالمقالة تحتوي على النقاط التالية:

·       مفهوم المصدر الميمي

·       صياغته من الثلاثي، ومما فوقه

·       مفهوم اسم الكان

·       صياغته من الثلاثي، ومما فوقه

·       صيغة "مَفْعَل" واردةً مصدرا ميميا في القصيدة

·       صيغة "مَفْعَل" واردةً اسمَ مكان في القصيدة

·       الخاتمة

·       الهوامش

تعريف بالمصدر الميمي:

أما عن صيغة "مَفْعَل" فإنها مشترَكٌ فيها المصدرُ الميميُّ واسمُ المكان، وأما المصدر الميمي فمصدر مبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة، مصوغ من المصدر الأصلي للفعل، يعمل عمله ويفيد معناه، مع قوة الدلالة وتأكيدها.[10] وعرفه آخر بأنه المصدر الذي بدئ بميم زائدة ودل على الحدث، مثل: “مَلْمَس، مفْحَص، مَوْعِد، مُرْتَقى، مُلْتقى، مُعْتَقَد" إذا جاءت في الجملة بمعني المصدر الأصلي، فتكون بمعنى "لَمْس، فَحْص، وَعْد، ارتِقَاء، الْتِقاء، اعْتِقَاد".[11]

صياغته من الثلاثي، ومما فوقه:

وهو يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي مطلقا، غير المضعف مهما كانت صيغته، على وزن "مفعل" بفتح العين؛ نحو: ملعب، ومسقط، ومصعد، إلا في حالة واحدة؛ فإنه يكون فيها على وزن "مفعل" بكسر العين؛ وهي:

أن يكون الثلاثي معتل الفاء بالواو، صحيح الآخر، تحذف فاؤه في المضارع عند كسر عينه؛ نحو: موصل، موعد، موضع، موثق، مورد؛ فإن كان صحيح الفاء، أو معتلها بالياء، أو معتل الفاء واللام، أو غير مكسور العين في المضارع؛ كوجل، فصيغته "مفعل" بالفتح، وشذ: المرجع، المصير، المعرفة، المغفرة، المجيء، المسير، المشيب، المعصية، المعيشة، المعذرة، المقدرة. وقد رود فيها الفتح على القياس.

ويصاغ من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول وزن المضارع، مع إبدال أوله ميمًا مضمومة، وفتح ما قبل الآخر إن لم يكن مفتوحا؛ نحو: معرف، متعاون، مكرم، من عرف، وتعاون، وإكرام.

هذا: والمصدر الميمي يلازم الإفراد، ولا تلحقه تاء التأنيث إلا سماعا؛ نحو: المحبة، والمودة، والمسرة، والموعظة. وقد ترد صيغة "مفعلة" لبيان سبب الفعل؛ ومن ذلك قوله- عليه السلام: "الولد مبخلة مجبنة محزنة"[12] وذلك مقصور على السماع، كما ترد هذه الصيغة للدلالة على مكان كثرة مسماها؛ نحو: مأسدة، ومسبعة، ومفعاة؛ أي مكان تكثر فيه: الأسود، والسباع، والأفاعي، وقد أجاز المجمع اللغوي أن تصاغ "مفعلة" قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول، للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان، أم من النبات، أم من الجماد.[13]

تعريف باسم المكان:

اسم المكان: هو اسم مصوغ لمكان وقوع الفعل،[14] وهو مشتق من يَفْعَلُ.[15]

صياغته من الثلاثي، ومما فوقه:

ويُصاغ من الثلاثي على وزن "مَفْعَل" إذا كان المضارع مضمومَ العين أو مفتوحَها، أو معتلَّ اللام مطلقا، نحو "مَكْتَب" وملعب" ومرمى" ومسعى" ومقام" مِنْ قام، وإن كان المضارع مكسور العين أو مثالا مطلقا، غير معتل اللام: فعلى وزن "مفعِل" نحو "مجلس" و"مبيع" و"موعد" و"ميسر"، ويستثنى من مضموم العين أحد عشر لفظا جاءت بالكسر، وهي: “المنسك، المطلع، والمشرق، والمغرب، والمرفق، والمفرق، والمجزر، والمنبت، والمسقط، والمسكن، والمسجد".[16]

وتكون صيغته من غير الثلاثي على زنة اسم المفعول كمدخل" و"مخرج" و"منطلق" و"مستودع".

ويصاغ من الاسم الجامد على وزن "مفعلة" بفتح فسكون، ففتح، للدلالة على كثرة ذلك الشيء في ذلك المكان، كـ "مأسدة " و "مسبعة" ومقثاة" أي الموضع الذي تكثر فيه الأسود والسباع والقثاء وهو مع كثرة وروده ليس له قياس مطرد فلا يقال: "مضبعة" للموضع الكثير الضباع، ولا يقال: "مقردة" لكثرة القردة في موضع، وقد تلحق اسم المكان التاء نحو: "مقبرة" و"مطبعة" و"مدرسة" وذلك أيضا سماعي لا قياسي.[17]

ومن هذا يُعْلَمْ أن صيغة الزمان والمكان والمصدر الميمي واحدة في غير الثلاثي، وكذا في بعض أوزان الثلاثي، والتمييز بينها بالقرائن، فإن لم توجد قرينة، فهو صالح للزمان، والمكان والمصدر.[18]

فالمصدر الميمي واسم المكان مشتركان في صيغة "مَفْعَل “عند استيفاء المصدر الميمي اشتقاقه من الثلاثي وكان مضمومَ العين أو مفتوحَها في المضارع، أو معتلَّ اللام مطلقا، وصيغ اسم المكان من مصدر الفعل الثلاثي مطلقا، غير المضعف، فمُمْكِنٌ أن يلتبسا على الدارس عندما يجتمعان سياقا ونصّا، فقد التفت انتباهُ الباحث خلال تتبعه للقصيدة إلى هذه المشكلة، فأراد أنيحللها في هذه المقالة.


صيغة "مَفْعَل" الواردةً مصدرا ميميا في القصيدة:

وردت في القصيدة صيغة "مَفْعَل" على أنها مصدر ميمي خمس عشْرةَ مرة، منها قول الشاعر:

وَلَم يَزَل سائِراً حَتّى أَنافَ عَلى ** أَعلامِ طَيبَةَ ذاتِ الـمَنظَرِ العَمَمِ

إن لفظ "الـمَنْظَر" الوارد في البيت مصدرٌ ميمي مصاغ من فعل ثلاثي مجرد، "نَظَرَ" من باب نصر، والقياس في المصدر الميمي أن يُصاغ من الفعل الثلاثي المجرد على وزن "مَفْعَل"، فالمراد باللفظ في هذا البيت "النَّظَر"، إذًا فالمراد "بالمنظر العمم" الذي قاله الشاعر في البيت هو "النظر العَامّ".

ومن المصادر الميمية التي وظفها الشاعر في القصيدة قوله:

أَعظِم بِمَقدَمِهِ فَخراً وَمَنقبَةً ** لِمَعشَرِ الأَوسِ وَالأَحياءِ مِن جُشَمِ

في البيت ثلاثة ألفاظ على وزن "مَفْعَل" (مَقدَم–مَنقبَة - مَعشَر)، الاثنان الأوَّلِّيَّان مصدران ميمِيَّان، فـــ"الـمَقْدَم" مشتق من فعل ثلاثي مجرد (قدِم) من باب فرِح، يقال: قدِمَ يَقدَم، قُدُومًا، فهو قادِم، والمفعول مَقْدوم، وقدِم فلانٌ المدينة وقدم إليها إذا دخلها، أو جاء إليها، أو حلَّ بها،[19] فالمراد بهذا المصدر الميمي "مقدَم" هو "القُدُوم".

ومنقبة" مصدر ميمي مصاغ من فعل ثلاثي "نَقَب" وهو من باب كرم، يقال: نقُبَ يَنقُب، نَقابةً، فهو نقيب، والمفعول منقوب عليه، ونقُب على قومِه إذا صار نقيبًا مقدَّمًا عليهم،[20]والنقيب: كبير القوم المعني بشؤونهم،[21] وفي التنزيل العزيز "وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا"[22]وجمعه: نقباء فالمعني بالمصدر الميمي “مَنقبَة" هو "نَقَابَة".

أما الثالث "مَعْشَر" فاسم جمع بمعنى الجماعة، ويجمع على معاشر،[23]وقيل: إنَّ "معشر" جمع، وجمع جمعه معاشر.[24]

ومن المصادر الميمية في القصيدة قول الشاعر:

فَخَيَّبَ اللَّهُ مَسعاها وَغادَرَها    ** نَهبَ الرَّدى وَالصَّدى وَالرِّيحِ وَالطَّسَمِ

الشاهد في البيت "مَسْعَى"، وهو مصدر ميمي مشتق من فعل ثلاثي مجردناقص (سعى)، وهو من باب فتح، يقال: سعى، يسعى، سعيا، وسعى الرجلُ على الصدقة، يسعى سعيا، إذا عمل في أخذها من أربابها، وسعى في مشيه إذا هرول، وسعى إلى الصلاة إذا ذهب إليها على أي وجه كان، وأصل السعي التصرف في كل عمل،[25] فالمراد بالمصدر الميمي "مسعاها" في البيت هو "سعيَها".

ومنها أيضا قوله:

حَسْبِي بِطَلْعَتِهِ الْغَرَّاءِ مَفْخَرَةً ** لَمَّا الْتَقَيْتُ بِهِ فِي عَالَمِ الْحُلُمِ

فلفظ "مَفْخَرَة" في البيت مصدر ميمي مشتق من فعل ثلاثي سالم مجرد (فَخَرَ) وفخر يفخر، فَخْرًا وفَخَارًا وفَخَارةً، فهو فاخِر وفَخُور، والمفعول مفخور به، يقال: فخَر الرّجلُ بمركزه إذا تباهى به، وتمدَّح بالخصال، وأُعجب بما له وأظهره تعاظمًا، [26] فصيغ من الفعل الثلاثي مصدرا ميميا صياغة قياسية على وزن "مَفْعَل"، والمراد به إذًا "فخرا"، فقول الشاعر: "حَسْبِي بِطَلْعَتِهِ الْغَرَّاءِ مَفْخَرَةً" يعني "حَسْبِي بِطَلْعَتِهِ الْغَرَّاءِ فَخْرًا".

 

ومنها أيضا قوله:

وَكَيفَ أَخشى ضَلالاً بَعدَما سَلَكَت      ** نَفسِي بِنُورِ الهُدى في مَسلَك قِيَمِ

فالمصدر الميمي المستخدم في البيت "مَسْلَك"، وهو مشتق من فعل ثلاثي سالم مجرد "سَلَك" من باب نصر، يقال: سلَكَ، يسلُك، سَلْكًا وسُلوكًا، فهو سالِك، والمفعول مَسْلوك، وسلَك طريقًا أي سار فيه،[27]فالسين واللام والكاف أصل يدل على نفوذ شيء في شيء،[28]فالمراد بـــ"مَسْلَك" في البيت "سُلُوك"، فقول الشاعر: "في مَسلَك قِيَمِ" يعني "في سلوك قيميّ" نسبة إلى القيمة، أو "قَيِّم" على أنها صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من قامَ.

صيغة "مَفْعَل" الواردةً اسمَا لمكان في القصيدة:

وردت في القصيدة صيغة "مَفْعَل" على أنها اسمُ المكان ست عشْرةَ مرةً، منها قول الشاعر:

وَسارَ بَعدَ ثَلاثٍ مِن مَباءَتِهِ ** يَؤُمُّ طَيْبَةَ مَأوى كُلِّ مُعتَصِمِ

إن قول الشاعر "مَباءَة" اسم مكان مشتق من فعل ثلاثي، أجوف، مجرد "باء" من باب نصر، يقال: باءَ، يَبُوء، بُؤْ، بَوْءًا وبَوَاءً، فهو بَاءٍ، والمفعول مَبُوءٌ به، وباءَ بالشَّيء، أي رجع، وعاد به،[29]ومنه قوله تعالى: "وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ"[30]فلما كان الفعل ثلاثيا اقتضى أن يكون صوغُه على وزن "مَفْعَل"، ولما كان الفعل في صياغته لاسم المكان تحركت فيه الواو وانفتح ما قبلها نقلت الحركة إلى الحرف الصحيح قبلها، فبدلا من أن يكون صوغُها على "مَبْوَأَة" صار "مَبَاءَة" لاستثقال الأول المتروك، واستخفاف الثاني المأخوذ، فالمراد بقول الشاعر: "سارَ بَعدَ ثَلاثٍ مِن مَباءَتِهِ" هو أنه صلى الله عليه وسلم سار بعد ثلاثة أيام من المكان الذي باء إليه.

ومن أسماء الأماكن التي استعمله الشاعر ذلك الذي في قوله:

فَلَم تَجِد لِقِراهُ غَيرَ ضائِنَةٍ ** قَدِ اقشَعَرَّت مَراعِيها فَلَم تَسُمِ

الشاهد فيه "مَراعِيها"، وهو جمع "لمرعى"، "فالمرعى" اسم مكان مشتق من فعل ثلاثي مجرد ناقص (رَعَى)، يقال: رعَى، يَرعَى، ارْعَ، رَعْيًا، فهو راعٍ، والمفعول مَرعِيّ (للمتعدِّي)، فأصله: "رَعَيَ" لدلالة مصدره "رعيا" عليه، فلما تحركت الياء (التي هي لام كلمته) وانفتح ما قبلها قلبت الياء ألِفا، فصار "رعى" من باب فتح، فالذي يعنيه الشاعر بقوله: "اقشَعَرَّت مَراعِيها" هو أن مكانَ رعيِها قد اقشعرَّ، أي لم ينزل عليه المطرُ.

ومنها قوله:

فَمُذ رَآهُم قِياماً حَولَ مَأمَنِهِ ** يَبغُونَ ساحَتَهُ بِالشَّرِّ وَالفَقَمِ

فلفظ "مَأْمَن" اسمُ مكان اشتُقَّ من فعل ثلاثي، مهموز، مجرد "أَمِنَ “من باب فرح، يقال: أَمِنَ زَيْدٌ الْأَسَدَ أَمْنًا، وَأَمِنَ مِنْهُ مِثْلُ سَلِمَ مِنْهُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْأصْل أَنْ يستعمل فِي سُكون القلب، يتعدَّى بنفسه وبالحرف، وَيُعَدَّى إلَى ثَانٍ بالهمزة فيقال آمَنْته مِنْهُ وَأَمِنْتُهُ عَلَيْهِ، وَائْتَمَنْتُهُ عَلَيْهِ فهو أَمِينٌ، وأَمِن البلد، أيِ اطْمأنَّ به أهلُهُ، فهو آمِنٌ وَأَمِينٌ،[31]فلما كان الفعل ثلاثيا لتجرده من الزيادة تحقق صوغه لاسم المكان على "مَأْمَن" على وزن "مَفْعَل"، فالمستفاد من قول الشاعر: "رَآهُم قِياماً حَولَ مَأمَنِهِ" هو أنهم رأوه حول مكان يأمَن فيه.

ومنها ما في قوله:

رِيعُوا فَذَلُّوا وَلَو طاشُوا لَوَقَّرَهُم ** ضَربٌ يُفَرِّقُ مِنهُم مَجمَعَ اللِّمَمِ

الشاهد لاسم المكان في البيت "مَجْمَع"، وهو مشتق من "جَمَعَ" يقال: جمَعَ يَجْمَع، جَمْعًا، فهو جَامِع، والمفعول مجموع (للمتعدِّي)،وجمَع المُتفرِّقَ، أي حشده، وضمّ بعضه إلى بعض وألّفه،[32] ومنه قوله تعالى: "إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ"[33] فالفعل ثلاثي مجرد سالم، فكان صوغُ اسم المكان منه "مَجْمَع" على وزن "مَفْعَل"، ومراد الشاعر بقوله "يُفَرِّقُ مِنهُم مَجمَعَ اللِّمَمِ" هو أن الضرب فارق مكان اجتماع اللِّمَّةِ، أي العنق(من باب الكناية)، لأن "اللِّمَّة" التي تُجمَع على "اللِّمَم واللِّمَام" هو شَعَرُ الرَّأس المُجاوز شَحْمَة الأُذُن،[34].

ومنها أيضا ما في قوله:

وَلَيسَ لِي رَوضَةٌ أَلهُو بِزَهرَتِها ** في مَعرَضِ القَولِ إِلّا رَوضَةُ الحَرَمِ

فقوله "معرض" اسم مكان على وزن "مَفْعَل" مشتق من فعل ثلاثي مجرد، سالم "عَرَضَ"، يقال: عرَضَ، يَعرِض، عَرْضًا وعُروضًا، فهو عارِض، والمفعول معروض، وعرَض سيَّارتَه للبيع: أظهرها، طرحها لذوي الرغبة ليشتروها،[35] ومنه قوله تعالى: "وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا"[36] أي أظهرناها،[37] فاستيفاء الفعل شروط صوغه على "مَفْعَل" أدى به إلى أن يصاغ على هذا الوزن، ومعنى قول الشاعر "معرَض القول" هو مكانٌ يُعرض القول فيه.

الخاتمة:

حمدا لله الذي أعان على اختتام هذه المقالة التي تناولت صيغة "مَفْعَل" مشتركة بين المصدر الميمي واسم المكان في قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة لمحمود سامي البارودي، وقد حاولت المقالة أن تُزِيلَ اللبسَ الممكنَ وقوعُه في التفريق بين الاسمين المشتَقَّيْن بهذه الصيغة في القصيدة، وانتهجت منهج الاستقراء واستخراج الشواهد لهما، ودراستها، ثم توصلت إلى استنتاجِ أنَّ المصدر الميمي على وزن "مَفْعَل" ورد خمس عشرة مرة، وأن اسم المكان على ذلك الوزن استُوظِف ست عشرة مرة.

(د. بلو محمد محاضر بقسم اللغة العربية، الجامعة الفيدرالية، غسو، نيجيريا bellojanbako@gmail.com)

المصادر والمراجع:

1.    أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، معجم اللغة العربية المعاصرة، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008م، الناشر: عالم الكتب، ج:3.

2.    ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني الرازي، معجم مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ - 1979م، ج:3،

3.    البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، السنن الكبرى، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003م، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات، ج:10.

4.    الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف، كتاب التعريفات، المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الطبعة: الأولى 1403هـ -1983م، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت –لبنان.

5.    الحملاوي، أحمد بن محمد، شذا العرف في فن الصرف، المحقق: نصر الله عبد الرحمن نصر الله، الناشر: مكتبة الرشد الرياض،

6.    العقاد، عباس محمود، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مكتبة النهضة الحديثة بمصر، ط:3، 1965م.

7.    الموسوي، خليل، مقدمة كتاب "البارودي رائد النهضة الحديثة"، دار ابن كثير، دمشق، ط:1، 1999م،

8.    الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي، النيسابوري، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، الطبعة: الأولى، 1415هـ، دار النشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق، بيروت، ص:673.

9.    شوقي ضيف، البارودي رائد الشعر الحديث، دار المعارف بمصر، ط:2.
الفيومي، أبو العباس أحمد بن محمد بن علي ثم الحموي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الناشر: المكتبة العلمية – بيروت، ج:1.

10. صافي، محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن الكريم، الطبعة: الرابعة، 1418هـ، الناشر: دار الرشيد، دمشق - مؤسسة الإيمان، بيروت، ج8.

11. صلاح الدين، عبد التواب، محمد، مدارس الشعر العربي في العصر الحديث، دار الكتاب الحديث، 2005م

12. محمد عبد العزيز النجار، ضياء السالك إلى أوضح المسالك، الطبعة: الأولى 1422هـ - 2001م، الناشر: مؤسسة الرسالة، ج:3،

13. مجمع اللغة العربية بالقاهرة (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، المعجم الوسيط، الناشر: دار الدعوة، ج:2، ص:944.

الهوامش والمراجع:



[1] الجراكسة والترك هم آخر طبقة من الغرباء قد وفدوا على مصر، واتخذوها وطنًا لهم.

[2] الموسوي، خليل، مقدمة كتاب "البارودي رائد النهضة الحديثة"، دار ابن كثير، دمشق، ط:1، 1999م، ص:21.

[3]صلاح الدين، عبد التواب، محمد، مدارس الشعر العربي في العصر الحديث، دار الكتاب الحديث، 2005م،  ص:4.

[4] نفس المرجع والصفحة.

[5] شوقي ضيف، البارودي رائد الشعر الحديث، دار المعارف بمصر، ط:2، ص:99.

[6]العقاد، عباس محمود، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مكتبة النهضة الحديثة بمصر، ط:3، 1965م، ص:126.

[7]نفس المرجع والصفحة.

[8] نفس المرجع والصفحة.

[9]البعيني، المرجع السابق، ص:9.

[10] محمد عبد العزيز النجار، ضياء السالك إلى أوضح المسالك، الطبعة: الأولى 1422هـ - 2001م، الناشر: مؤسسة الرسالة، ج:3، ص:47.

[11] محمد عيد، النحو المصفى، الناشر: مكتبة الشباب، ص:428.

[12] البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، السنن الكبرى، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003م، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات، ج:10، ص:340.

[13] محمد عبد العزيز النجار، المرجع السابق، ج:3، ص48.

[14]الدقر، عبد الغني بن علي، معجم القواعد العربية، ص:49.

[15] الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف، كتاب التعريفات، المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الطبعة: الأولى 1403هـ -1983م، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت –لبنان، ص:26.

[16]الدقر، عبد الغني بن علي، المرجع السابق، ص:49.

[17]نفس المرجع والصفحة.

[18] الحملاوي، أحمد بن محمد، شذا العرف في فن الصرف، المحقق: نصر الله عبد الرحمن نصر الله، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، ص:71.

[19]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، معجم اللغة العربية المعاصرة، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008م، الناشر: عالم الكتب، ج:3، ص:1783.

[20] نفس المصدر، ج:3، ص:2262.

[21]مجمع اللغة العربية بالقاهرة (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، المعجم الوسيط، الناشر: دار الدعوة، ج:2، ص:944.

[22] سورة المائدة، الآية:12.

[23] صافي، محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن الكريم، الطبعة: الرابعة، 1418هـ، الناشر: دار الرشيد، دمشق - مؤسسة الإيمان، بيروت، ج8، ص:283.

[24] أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:2، ص:1502.

[25]الفيومي، أبو العباس أحمد بن محمد بن علي ثم الحموي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الناشر: المكتبة العلمية – بيروت، ج:1، ص:277.

[26]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:3، ص:1679.

[27] نفس المرجع، ج:2، ص:1096.

[28]ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، معجم مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ - 1979م، ج:3، ص:97.

[29]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:1، ص:258.

[30] سورة البقرة، الآية:61.

[31]الفيومي، المرجع السابق، ص:24.

[32]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:1، ص:392.

[33] سورة القيامة، الآية:17.

[34]مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المرجع السابق، ج:2، ص:840.

[35]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:2، ص:1480.

[36] سورة الكهف، الآية:100.

[37]الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي، النيسابوري، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، الطبعة: الأولى، 1415هـ، دار النشر: دار القلم , الدار الشامية - دمشق، بيروت، ص:673.

Download
مقالات مميزة

النقد الأدبي النسوي بين الرؤية الغربية والعربية (مصطلح النسوية والنسائية) أنموذجا

المقدمة                                          ما المقصود بالنقد الأدبي النسوي ؟ ما خصوصي

Read More

أصوات اللغة العربية وصعوبة نطقها عند الفلانيين

ملخص البحث: وهذه المقالة بعنوان: "أصوات اللغة العربية وصعوبة نطقها عند الفلانيين". فهي محاولة عن كشف مفهوم الصوت اللغوي الذي يتواصل به الإنسان بينه وبين أفراد جنسه، لأن به تبرز الثقافة البشرية وتهيمن على نبذته التاريخية، وتهيئت المقالة عن صع

Read More

تقنيات بناء الشخصية في رواية "السيد الرئيس" لحامد الهجري النيجيري

 مقدمة تتبوأ اللغة العربية مكانة مرموقة في الديار النيجيرية منذ عصر عتيق جدا، وكان دخولها فيها منذ فترةٍ تسبق ميلاد الدين الإسلامي الحنيف، وقد وطَّد الإسلام العلاقات بين بلاد نيجيريا

Read More

ظاهرة التناص الأدبي في شعر الشيخ أحمد أبي الفتح اليَرْوَاوِي

ملخص البحثتهدف الورقة إلى كشف الغطاء عن أنماط التناص الأدبي الواردة في شعر الشيخ أحمد أبي الفتح اليرواوي, بغية إلقاء الضوء عن التفاعل بين

Read More

وقوع صيغة "مُفْتَعَل" مصدرا ميميا واسمَ مفعولٍ في قصيدة كشف الغمة لمحمود سامي البارودي

ملخص الدراسةإن هذه المقالة عبارة عن "وقوع صيغة "مُفْتَعَل" مصدرا ميميا واسمَ مفعولٍ في

Read More

صور أسلوبية في ميمية ابن اسحاق التوردي في مدح أحمد الرفاعي

Read More

السيّد محمد عميم الإحسان ومؤلفاته في التفسير وأصوله باللغة العربيّة

ملخص البحث: يعدُّ السيد محمد عميم الإحسان من الهداة الأعلام المبرزين في شبه القارّة الهندية في القرن التاسع عشر الميلادي. وله أثر عظيم ودور كبير في نشر العلوم الشرعية والدراسات الإسلاميّة في جمهوريّة بنغلاديش الشعبيّة. وهذا البحث يهدف إلى ا

Read More

معنى الإبداع في العالم الجديد- كلمة التحير- رئيس التحرير

أن الإبداع ما بعد كورونا اختلف عما قبلها من الإنتاجات في شتى الوجوه والأنحاء. والفيروس قد أثر معاملات الانسان وحياته اليومية والتي تأثرت به

Read More
الأرشيف