مساهمة أصفهان وابنها أبي إسماعيل الأصبهاني الطغرائي في إثراء الحضارة الإسلامية والأدب العربي

د. نسيم أختر الندوي 2015-01-07

إن الغزو الفكري الغربي والأمريكي على الإسلام وأتباعه في زماننا هذا قد تزايد تزايدًا ملحوظًا. وقد ساعدت العولمة بأدوات سلبياتها، أعداء الإسلام في تحقيق أغراضهم الشنيعة، حتى قد بدأ بعض “المثقفين” يقولون إنه لم يُوجد أي شيء باسم الحضارة الإسلامية في العالم قط. والواقع أن العالم قد شهد عصوراً ذهبية في التاريخ الإنساني، وذلك بفضل الإسلام. وحصل ذلك في الوقت الذي ما كانت تتواجد أمريكا على خريطة العالم حتى جغرافياً.

وفي إثراء الحضارة الإسلامية علماً وفناً قد مثلت إيران بشكل عام، وأصفهان بشكل خاص، دورأ ممتازأ. ” كان للفرس أثر كبير في ازدهار الحضارة الإسلامية، وبرز فيها نخبة من علماء المسلمين الأفذاذ مثل سيبويه، مؤسس علم النحو، والخوارزمي، في الفلك والجبر، والرازي الطبيب، والفردوسي الشاعر الملحمي، وابن سينا الطبيب الفيلسوف، وعمر الخيام الشاعر الفلكي، وسعدي الشاعر، وحافظ الشاعر، وغيرهم”[1].

يكتب محمود محمدي عراقي:

“إقبال الإيرانيين الشديد على تعلم لغة الدين المبين ودراسة مصادر الإسلام والتعمق فيها من الدلائل الواضحة على انصياعهم فكرياً ونفسياً لهدى الدين وعلى اهتمامهم الشديد بإثراء العلوم الإسلامية وصيانتها ولمّ شتاتها. ونتيجة لهذا الاهتمام برز فيهم أئمة القراءات: مثل عاصم، ونافع، وابن كثير، والكسائي، وأئمة التفسير: مثل الطوسي، والطبري، وأبي الفتوح الرازي، والفخر الرازي، والميبدي، والبيضاوي، وأئمة الحديث، مثل أصحاب الكتب الأربعة: الكافي، والصدوق، والطوسي، وأصحاب الصحاح الستة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسأئي، وابن ماجة، ويطول الحديث لو أردنا استعراض المؤرخين والفقهاء واللغويين والأدباء والبلاغيين والمتكلمين، والفلاسفة، والحكماء وأصحاب الفنون الجميلة”[2]

أما أصفهان، حديقة العالم، فهي معروفة في العالم بكونها مدينة ذات تاريخ عريق. والجدير بالذكر أنها اشتهرت أيضاً بصفة “مدينة التنوع الديني والعرقي”[3] منذ زمن قديم، قروناً قبل أن أصبح موضوع التنوع الديني والثقافي ذا أهمية في المجتمع المدني المعاصر. كما أنها ” كانت الديانة السائدة في إيران عند الفتح الإسلامي هي الديانة الزرادشتية، ومع أن طبيعة هذا الدين لم تكن كالمسيحية واليهودية في وضوح ارتباطها بالنبوات الحقة، فقد عاملهم المسلمون باعتبارهم أهل الكتاب، ولم يجبروهم قط على ترك دينهم”[4]، يقول المستر فراي عن الموضوع إذ يقول ما ملخصه:

” إن الزرادشتيين في إيران اتجهوا إلى الإسلام عن طريق دعاة الصفوية والشيعة، وخاصة الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن شهريار الكازروني المتوفى سنة 1034ميلادية. واتجه زعماء الديانة الزرادشتيون إلى الإسلام، وأسسوا فيما بعد دولة البويهيين في إيران والعراق واختاروا مذهب أهل البيت لهم عقيدة وسلوكاً، واللغة العربية كلاماً وكتابة وأدباً”[5]

قد صارت هذه المدينة من المدن الكبرى في عهد الشاه عباس الكبير، الذي جعلها عاصمة لـه. والمعلوم أن أصفهان سُمِّيت بـ ” نصف الدنيا” في القرن السابع عشر، يرجع تاريخها المدوّن إلى خمسمائة عام قبل الميلاد تقريبا، حيث قام سايروس؛ أول ملوك الأكامانيديين بغزو حكم الإيلاميين. وفي ذلك الحين تشكلت الإمبراطورية الفارسية الأولى. ” وفي عام 18هـ / 640م فتح المسلمون أصفهان. وخلال الفتح الإسلامي شهدت المدينة العديد من المعارك كما شهدت أيضاً فترات زاهرة”[6].

“لعبت أصفهان دوراً مهماً في تاريخ الفكر العربي والإسلامي منذ أن فتحت في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- عام (19 أو 23هـ/640-644)، فقد كانت مركزاً من مراكز الحركة العلمية والأدبية في العالم الإسلامي، ولا سيما حينما كانت تحت حكم آل بويه (321هـ / 933م- 447 / 1055م) الذين نشطوا الحركة الفكرية في البلاد التي حكموها، وشجّعوا العلماء والأدباء والفلاسفة، حتى لقد نبغ في عهدهم من يعد بحق فخر الدولة الإسلامية في العصور المختلفة”[7]

إن العهد الصفوي أوصل مدينة أصفهان إلى أوج الرقي والازدهار علماً وفناً، في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، فكان ذلك العصر عصراً ذهبياً بدون شك في تاريخ هذه المدينة.

إن أصفهان بـمعالمها التاريخية البارزة كانت ولا تزال مركزاً لمن يدرك أهمية للسير في الأرض. فـ ” من الناحية المعمارية، يُعّدُّ فخر الدولة البويهي أهم الشخصيات الحاكمة حيث أنشأ وزيره الصاحب بن عباد البوابة المؤدية إلى المسجد، والتي حل محلها بعد ذلك مسجدي حاكم. كما قام الحاكم الكاكوي علاء الدولة بتوسع الحصون في أصفهان، وأنشأ اثنتي عشر بوابة مغطاة بالمعدن لحمايتها من قبائل التركمان الغازية. وقبيل وفاته، أعلن علاء الدولة محمد ولاءه للسلاجقة الذين كانوا في ذلك الوقت قد قاموا باحتلال أغلب الأراضي الواقعة في وسط إيران. ثم كان من ابنه فاراموز أن سلم أصفهان إلى القائد السلجوقي طغرل بك بعد حصار طويل لجأ خلاله سكان المدينة إلى استخدام خشب مسجد جوميه كوقود للتدفئة”[8].

ازدادت المدينة جمالاً وبهاءً تحت رعاية الحكام المستجدين خاصة الشاه عباس الكبير، الذي اشتهرت في عصره هذه المدينة في أنحاء العالم المتمدن. وكان قد ظلَّ حكم السلاطين الصفويين حوالي قرن ونصف، وظلَّت أصفهان عاصمة لهم طوال تلك المدة.

ومن أبرز الدلائل على تنوع المعالم الحضارية والمآثر الدينية المتواجدة في أحضان أصفهان:

المساجد:

1-   المسجد الجامع: الذي شيَّده الفاتحون المسلمون عام 23هـ الموافق 644م، فيرجع تاريخ صرح المسجد الحالي إلى عصر السلطان ملك شاه (464هـ – 1072 إلى 484هـ / 1092م)، وقد ساهم في تزيين وإضافات هذا المسجد الحكام الآخرون أيضاً.

مسجد الشاه عباس: والذي يعد من الآثار الإسلامية الرائعة، وأفخم المساجد التي بنيت في العصر الصفوي، ويمثل هذا المسجد التكامل الفني المعماري الإسلامي.

جامع شاه سلطان حسين المعروف باسم ” نادر شاه”: يُعَدُّ من أجمل ما بناه المعماريون الإيرانيون عام 1008هـ / 1600م.

مسجد بارسيان: يرجع تاريخ بناء المئذنة إلى عام 490هـ / 1097م، عصر برك ياروك ابن ملك شاه/ ويبلغ ارتفاعها 34 م.

مسجد داشتي: ومن آثار القرن الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي.

مسجد جومية _(مسجد الجمعة): وضع أساس الرواق الجنوبي بهذا المسجد في بداية القرن الثاني عشر الميلادي بأمر الوزيرنظام الملك.

مسجد إمام: شُيِّدَ هذا المسجد خلال حكم الشاه عباس، ويُعَدُّ الفن المعماري المستخدم في هذا المسجد آية في الروعة والجمال. وترتفع مآذن المسجد نحو 48م، وفي الجانب الشرقي يقع مسجد الشيخ لطف الله ذو القبة المنخفضة.

القصور:

تشتهر أصفهان بالعديد من القصور التي يعود معظمها إلى العصر الصفوي وهي تتباين في تصميماتها وروعتها، ومن أهم قصور مدينة أصفهان:

قصر علي قابو: يقع هذا القصر غرب ميدان نقشي جاهان، ويعود هذا المبنى إلى العصر الصفوي، كان الغرض من بنائه استقبال السفراء والرسل من الدول الأجنبية.

عصر هاشت بهشت: يقع بالقرب من طريق شهار باغ في مقابل طريق شيخ باهي الحالي، وقد تم تشييده في القرن السادس عشر إبان حكم الشاه سليمان الثاني وتعد الأسقف المحلاة بالرسوم…. واللوحات الحائطية من الأشياء التي تجعل هذا القصر جديراً بالزيارة.

القصر الملكي: يقع القصر الملكي في الجنوب الشرقي من الميدان الواقع في وسط أصفهان والذي كان يطلق عليه من قبل ” ميداني شاه”.والآن قد تغير اسم الميدان إلى ” ميداني إمام”

قصر الأربعين عموداً: يعود تاريخ قصر (جهلستون) الشهير بقصر الأربعين عموداً إلى الملك الصفوي السابع شاه عباس الثاني، وقد بنى عام 1057هجري حسب الدراسات التاريخية لعلماء الآثار.

الجسور والقناطر

جسر شهرستان: شُيِّد هذا الجسر في القرن الرابع عشر من الميلاد في شرق مدينة أصفهان، ويربط الجسر قرية شهرستان في الجانب الشمالي بالمنطقة الزراعية على الضفة الجنوبية. واستمد بناء هذا الجسر من نماذج رومانية.

جسر سي أو سيه بول: يتكون هذا الجسر من ثلاثة وثلاثين قوساً وقد أصدر الشاه عباس الأول تكليفاً ببنائه لأحد قواده عام 1010هـ/ 1602م.

جسر خاجو: فيما بين عامي 1051هـ / 1642م و 1077هـ / 1667م أثناء حكم الشاه عباس الثاني.

الحدائق:

من أشهر حدائق أصفهان تلك التي شَيَّدها الشاه عباس الثاني في قاعة استقبال قصر ” الأربعين عمودا”[9].

المدارس:

تُعد المدارس هي النواة الأولى للحركة الفكرية التي شهدتها إيران خلال الحكم البويهي، ويأتي في مقدمة هذه المدارس مدرسة “جهار باغ” الدينية والتي أقامها الشاه حسين عام 1173هـ / 1760م. ومدرسة ” شهرياق” وهي في نفس الوقت مسجد، وهي مدرسة سلطانية أنشأها الشاه حسين الصفوي عام 1134هـ / 1722م.

الأدب والعلوم:

“نبغ في أصفهان خلق لا يحصون من العلماء في كل علم وفن، ولا سيما الحفاظ ورجال الحديث. ولقد كانت أصفهان درة في تاريخ فارس، ومركزاً حضارياً حين انطوت تحت راية الإسلام. وممن لمعوا في سماء أصفهان من أئمة الحديث أبو محمد عبد الله بن حيان الأصبهاني، وجمال الدين الجواد الأصفهاني الوزير، وعماد الدين الكاتب الأصفهاني. ومن المفسرين محمد بن بحر الأصفهاني، ومن المؤرخين ابن حمزة بن الحسين الأصفهاني، والحسن بن عبد الله الأصفهاني. ومن الأدباء واللغوين أبو الفَرَج الأصفهاني، ومحمد بن داود الأصفهاني. ومن الفلكيين صدر الدين الخجندي”[10].

أبوإسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الطغرائي:

ولا يمكن ذكر جميع الشخصيات الفذة، فأكتفي بإلقاء الضوء على شخصية ” أبي إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد، العميد فخر الكتاب، الملقب بمؤيد الدين، الأصبهاني المعروف بالطغرائي[11]… نسبته إلى من يكتب الطغراء، وهي الطُرّة التي تكتب على رأس الصفحة الأولى من المخطوطات فوق البسملة بالقلم الجلي متضمنة اسم الملك وألقابه وهي كلمة أعجمية محرّفة من الطُرّة، كان آية في الكتابة والشعر خبيراً بصناعة الكيمياء[12]،

ويُعدّ الطغرائي من أولئك الشعراء الذين لا يستغني عنهم الشعر العربي، أمثال بشار بن برد، أبي نواس ,ابن الرومي، الذين – بالرغم من كونهم الأعاجم – قاموا بإثراء الشعر العربي. والطغرائي” فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر”[13]. ويقول صاحب شذرات الذهب ” إنه كان من أفراد الدهر[14]“، ووفقاً لما كتب الذهبي كان ” رئيس البلغاء”[15]. وله ديوان شعر قيم، وقد قام بتحقيق ديوانه ونشره الدكتور علي جواد الطاهر، والدكتور يحي الجبوري.

وُلد في مدينة جي من مقاطعة أصبهان. وتلقى التعليم الابتدائي في مدارس أصبهان، ثم ارتحل إلى إربل في عنفوان شبابه حيث اشتغل أميناً للسر، وقام بخدمة السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان، كما تم تعينه منشئاً للسلطان محمد ومتولياً لديوان الطغراء، ” تشرفت به الدولة السلجوقية، وتشوقت إليه المملكة الأيوبية، وتنقل في المناصب والمراتب، وتولى الاستيفاء وترشح للوزارة، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية من يماثله في الإنشاء سوى أمين الملك أبي نصر العتبي. ولـه في العربية والعلوم قدر راسخ، وله البلاغة والمعجزة في النظم والنثر”[16].

وطبقاً لما كتب ابن خلكان “أن الطغرائي المذكور كان ينعت بالأستاذ وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وأنه لما جرى المصاف بينه وبين أخيه السلطان محمود بالقرب من همذان، وكانت النصرة لمحمود، فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود فأخبر به وزير محمود وهو الكمال نظام الدين أبو طالب علي بن أحمد بن حرب السميرمي[17]، فقال الشهاب أسعد وكان طغرائياً في ذلك الوقت نيابة عن النصير الكاتب: هذا الرجل ملحد يعني الأستاذ: فقال وزير محمود: إن يكن ملحداً يُقتل، فقتل ظلماً”[18]. “وقد كانوا خافوا منه ولا قبل لهم عليه لفضله، فاعتمدوا قتله بهذه الحجة، وكانت هذه الواقعة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وقيل إنه قتل سنة أربع عشرة وقيل ثماني عشرة وقد جاوز ستين سنة، وفي شعره ما يدل على أنه بلغ سبعاً وخمسين سنة لأنه قال وقد جاءه مولود:

هذا الصغير الذي وافى على كبري       أقر عيني ولكن زاد في فكري

سبع وخمسون لو مرت على حجر       لبان تأثيرها في صفحة الحجر

والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك رحمه الله تعالى وقتل الكمال السميرمي الوزير المذكور يوم الثلاثاء سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة في السوق ببغداد عند المدرسة النظامية، وقيل قتله عبد أسود كان للطغرائي المذكور لأنه قتل أستاذه” [19].

” قال الإمام محمد بن الهيثم الأصبهاني: كشف الأستاذ أبو إسماعيل بذكائه سرّ الكيمياء، وفك رموزها واستخرج كنوزها، وله فيها تصانيف منها: جامع الأسرار وكتاب تراكيب الأنوار، وكتاب حقائق الاستشهادات وكتاب ذات الفوائد، وكتاب الردّ على ابن سينا في إبطال الكيمياء، ومصابيح الحكمة وكتاب مفاتيح الرحمة”[20].

ومن أهم نماذج شعره قصيدته اللامية المشهورة في مجال الشعر العربي. ولها شروح عديدة: أبرزها شرح مفصل، قام به صلاح الدين الصفدي في الجزئين.

” تتألق لامية العجم للطغرائ معلماً بارزاً في فضاء الشعر العربي القديم، وتبرز كخطاب متميز في سمائه، يشد الأنظار، وقد اشرأبت إليها أعناق شعراء العربية إعجاباً وعلى امتداد العصور، فعمدوا إلى قراءتها وتذوقها، ومن ثم إلى مجاراتها”[21] ،

وذلك لأن هذه القصيدة متحلية بدرر الحكم والقيم الخلقية، وقائمة بالتوجيهات الإرشادية. وهي موزونة في بحر البسيط. ويترشح من قصيدته اللامية مفهوم الإحباط الناشئ من عدم تحقيقه أهدافه المنشودة. فهو كان فريسة لسوء الحظ الذي عرقل في سبيله إلى القمة. هو – أسوة بالعديد من الشعراء- يفتخر بالمجد والكرامة، وتاريخه الماضي المشرق. فيستفيد القارئ من حكمة شعره، الذي لم يكن إلا عصارة تجربة حياته، وثقافته الواسعة. وقد حثّ الأستاذ الطغرائي على المغامرة والمجازفة.

إن الأبيات التي يبين بها الطغرائي عاقبة ترك العلا، والرضا بحياة الذل والهوان، تدعو اليوم أيضاً المسلمين عامة، ورؤساء دول غرب آسيا بوجه خاص، إلى التفكير مرة أخرى في العيش بالعز والكرامة، وعدم الرضا بما ينافي قيمهم وثقافتهم الإسلامية.

فيقول:

 ودَعْ غِمــارَ العـلا للمُقدِمينَ علــــــــــــــى     رُكوبِهــا واقتَنِـعْ منهـن بالبَلَـلِ

يرضى الذليلُ بخَفْضِ العَيشِ مَسْكَنةً     والعِـزَّ تحـت رَسِيـمِ الأينُقِ الذُلل

فادرأ بهــا في نُحـورِ البِيدِ جــــــــــــــــــافِلةً         مُعارِضـاتٍ مَثـاني اللُّجْـمِ بالجُدُل

لا يمكن الوصول إلى قمة المجد والعلا، إلا بقبول تحديات الزمان، فلا يصل إليها من يقضي حياة الخمول والكسل أو الاستراحة على فرش وثيرة. فيقول:

حُب السلامة يَثني همَّ صاحبـه عن      المعـالي ويُغـري المرء بالكَسَلِ

فـإن جَنَحْـتَ إليـه فاتخِذْ نَفَقاً في           الأرض أو سُلَّماً في الجوِّ واعتزِلِ

ودع غمـار العـلى للمقدمين على          ركوبهـا، واقتنـع منهـن بالبلل

كما أشار إليه الدكتور محمد إقبال مبيناً أسباب الرقي والانحطاط للأمم:

”تعال، أبين لك سر الرقي والانحطاط للأمم، إن الأول منوط بالمجازفة والمغامرة، والثاني نتيجة التمسك بحياة التنعم والراحة المادية المحضة”.

وقد قارن الدكتور محمد إبراهيم نصر بين قصيدة الشنفرى العربية وقصيدة الطغرائي العجمية، ويرى أنه: ” كل منهما يدعو إلى المعالي ويتمرد على الذل، فالشنفرى يرتكب الصعب من الأمور، فيقاوم الجوع حتى ينساه، ويذهل عنه، ولو أدى به الحال إلى أن يستف التراب حتى لا يرى لأحد فضلاً عليه فنفسه مرة لا تقيم على الضيم، ولا ترضى به مهما كانت الأمور[22]:

أديمُ مِطالَ الجـوع حتـى أمِيتــهُ                    وأضـربُ عنه الذِّكرَ صفحاً فأذْهَلُ

وأستفّ تُرب الأرض كي لا يَرى له      عَليّ، مـن الطَّـولِ، امرُؤ مُتطوِّل

ولكـــنَّ نفسـاً مـُرَّةً لا تقيمُ بي               على الضيـم، إلا ريثمـا أتحوّلُ

أما الطغرائي: فيرى أن حب السلامة يثني همم الضعفاء، فيغريهم بالكسل والخمول، ويدفعهم إلى تجنب المغامرات، والبعد عن الأهوال، والانزواء عن الناس. وأما المعالي فإنها تدعو صاحبها إلى المغامرة وركوب الأخطار.

وكل منهما لا يرضى بالإقامة، ولكن مطلب كل منهما مختلف، فالشنفرى طريد جنايات ارتكبها، يتوقع أن تنقض عليه، فهو هارب من وجه الساعين إلى دمه، ينام بعيون يقظى، فلا يضع جنبه على وجه الأرض حتى تعاوده الهموم من كل جانب، وقد اعتاد هذه الهموم وألفها، ولذلك يقول”:

وآلف وجه الأرض عند افتراشها      بأهْدَأ تُنبيـه سَنـاسِنُ قُـحّلُ

طـريدُ جِنـاياتٍ تياسرنَ لَحْمَهُ         ئَقِيرَتُـهُ فـي أيِّهـا حُمَّ أولُ

تنـام إذا ما نـام، يقظى عُيُونُها       حثـاثاً إلى مكروهِـه تتغلغلُ

وإلفُ همـومٍ مـا تزال تعُودهُ        عياداً، كحمى الرَّبع، أوهي أثقلُ

أما الطغرائي فإنه أيضاً لا يرضى بالإقامة، لأن نفسه تحدثه أن العز الذي يريده لا يتحقق بإقامته وإنما يتحقق بالتنقل والرحلة، يقول:

إن العلا حدثتني وهي صادقة       فيما تحدث أن العز في نقل

كما أنه يهدف إلى تحقيق آماله، التي يتوقع حصولها يوماً بعد يومٍ:

أعلَّـلُ النفـسَ بالآمال أرقبهـا          ما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل

ولكل منهما في الحديث عن الصبر حكمٌ تسير مع الزمن، فالشنفرى مولى الصبر يلبس ملابسه على قلب مثل السمع، والسمع هو الذئب الشجاع، وينتعل الحزم:

فأنـي لمولي الصبـر، أجتابُ بَزَّه      على مثل قلب السمع، والحزم أنعل

وهو لا يجزع من الفقر ولا يفرح للغنى:

وأُعدِمُ أحياناً، وأغني، وإنما              ينال الغِنى ذو البُعدَةِ المتبذِّلُ

فلا جزَعّ من خِلّةٍ متكشِّفٌ               ولا مَرحٌ تحت الغنى أتخيلُ

أما الطغرائي فهو يقول:

فصبراً مُعينَ الملكِ إنْ عَنَّ حادثٌ     فعـاقبةُ الصبـرِ الجميـلِ جميـلٌ

ولا تيْأَســَنْ من صُنْعِ ربِك إنَّهُ        ضَميـنٌ بـأنَّ اللهَ سـوفَ يُـدِيلُ

فإن الليــالي إذ ي،زولُ نعيمُها         تُبَشِّــرُ أنَّ النــائبـاتِ تـزولُ

ألم تَرَ أنَّ الشمـسَ بعدَ كُسوفِهـا         لهـا منظرٌ يغشـى العُيُونَ صقيلٌ

يتبرم من إدبار الدنيا عنه، وإقبالها على غيره، ويشكو لأن أناساً أقل منه قد سبقوه، وكان حظهم أعظم من حظه”:

مـا كنتُ أوثرُ أن يمْتَدَّ بي زمَنى      حتـى أرى دولةَ الأوغادِ والسَّفّلِ

تَقدَّمْتنـى أنـاسٌ كـان شوطُهُمُ         وراءَ خَطوِي لو أَمشِي على مَهَلِ

وقد شاعت الحكمة وانتشرت في كلا القصيدتين، حتى تغنى الناس بحكم كل منهما ومن حكم الطغرائي التي يرددها الناس على مرِّ الزمان قوله:

وإن عَلاني مَن دَوني فلا عَجبٌ         لي أسوةٌ بانحطاطِ الشمسِ عن زُحَلِ

وقوله:

أَعْـدى عدَوِّكَ من أدنَى وثِقْـتَ بـه        فحاذِرِ الناسَ وأصْحَبْهُم على دخلِ

وإنمـا رَجُـلُ الدنيـا وواحِدُها               مَن لا يُعَـِّولُ في الدنيا على رَجُلِ

وقوله:

وحُسـنُ ظنـكّ بالأيـام مَعْجَـزَةٌ                      فَظُّنَّ شـراً وكن منها علـى وجَلِ

غاض الوفاءُ وفاض الغَدْرُ وانفرجَتْ      مسافةُ الخُلفِ بين القـول والعمـلِ

وشـانَ صدقَـكَ عند الناس كذبُهُمُ         وهـلْ يُطـابَقُ مُعْـوَجّ بمعتـدِلِ

فيـمَ اقتحامُـك لُجَّ البحـرَ تركَبُه             وأنت يكفيكَ منهُ مَصَّـةُ الوَشَـلِ

مُلـكُ القَنَـاعةِ لا يُخشى عليه              ولا يُحتاجُ فيه إلى الأنصار والخَوَلِ

“إن قصيدته التي نظمها في رثاء زوجته التي أحبها وأخلص لـه الود وكانت قد توفيت بعد الزواج منه بمدة قصيرة، تعتبر من المراثي الجيدة وأدرجها في هذا الباب كثير من الأدباء المحدثين. كما نظم اللامية في ذم زمانه وتذمره مما كان يكابده وقد لاقت هذه القصيدة شهرة كبيرة ترجمت إلى عدة لغات”[23]

الهوامش:

1. مدينة أصفهان عبر العصور،

http://www.isesco.org.ma/Capitales2006/Espahan/AR/P2.htm

2.  محمود محمدي عراقي، التفاعل الحضاري في التاريخ الإسلامي: إيران نموذجاً، ثقافتنا  للدراسات والبحوث، المجلد 1- العدد الأول- صيف سنة 1424هـ- 2003م، ص 18-19.

3.  قاسم علوان، العاصمة الثقافية لإيران… أصفهان، الحوار المتمدن- العدد: 1641 – 2006/ 8/13،

4. محمود محمدي عراقي، التفاعل الحضاري في التاريخ الإسلامي: إيران نموذجاً، ثقافتنا   للدراسات والبحوث، المجلد 1- العدد الأول- صيف سنة 1424هـ- 2003م، ص 15

5.  سيرجان ملكم، دوقرن سكوت- فارس-، وهذا المقتبس مأخوذ عن المقال السابق، ص 16ز

6. www.yazahra.net/aa/html/isfahan/asm113.htm-28k

7. نفس المصدر

8. نفس المصدر

9. http://isesco.org.ma/Capitales2006/Espahan/AR/P3.htm، إن المعلمومات المقدمة من تفاصيل ” المساجد” إلى   ” الأربعين عموداً” مأخوذة من هذا الموقع.

10. www.yazahra.net/aa/html/isfahan/asm113.htm-28k

11. الطغرائي بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الراء وبعدها ألف مقصورة.

12.  ياقوت الحموي، معجم الأدباء، الجزء العاشر، ص- 18-29

13. ابن خلكان، كتاب وفيات الأعيان، الجزء الأول، صفحة: 200

14. ابن العماد ، شذرات الذهب، المجلد السادس، الطبعة الأولى، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1991م، ص 68-70

15. الذهبي، سير أعلام النبلاء، الجزء التاسع عشر، 158

16. نفس المصدر

17. بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ثم ميم، هذه النسبة إلى سميرم وهي بلدة بين أصبهان وشيراز وهي آخر حدود أصفهان(ابن خلكان، وفيات الأعيان، جلد 2 ص، 114-118، المتواجد على الموقع:

 http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=12&book=669

18. نفس المصدر

19. ابن خلكان، وفيات الأعيان ، جلد 2، ص 114- 118

20. نفس المصدر

21.  أنيسة منصور، لامية الطغرائي ومعارضتها في شعر الوائلي: اشتراك في التوجيه ومعاني الحكمة، المقالة موجودة على الموقع

http://ww.alwasatnews.com/topic.asp?tID=466988&mydate=5-10-2005

22. د. محمد إبراهيم نصر، ظلال حول اللاميتين، المأخوذ من الموقع:

http://www.khayma.com/abuadeeb/hs46.htm

23. نفس المصدر

 

مقالات مميزة

حديث المستشرق الفرنسي "جاك بيرك" حول القرآن الكريم وبلاغته في الميزان

التمهيد    الاستشراق يعني الدراسات الغربية التي تتعلق بالشرق الإسلامي في لغاته وآدابه وحضاراته وتاريخه وتشريعاته وعقائده . ([1])    والمستشرق هو : كل م

Read More

بائية الأخنس بن شهاب التغلبي: " فمن يك أمسى في بلاد مقامه " دراسة بلاغية تحليلية

مقـــدمــة الحمد لله رب العالمين، حمدا توجبه سوابغ نعمه، ولنعمة واحدة لا يوفيها بعض حقها حمد الحامدين، دهر الداهرين، وأبد الآبدين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارِك وأنعِم على سيد

Read More

الرؤية اللغوية إلى العالم

تقديم  إن السلطة التي تمارسها اللغة على الإنسان تكمن في كون الروح الإنسانية حسب هي

Read More

صناعة المعجم عند اللغويين قديما وحديثا ــ بحث في الخصوصيات

تمهيد:يزخر تراثنا العربيّ بعديد من المعجمات التي تعبر بحق عن اجتهادات علمية لا يستهان بها، وهي تقترح منهجيات في التأليف المعجميّ،ارتقت إلى مدارس، وصارت رصيدا ثمينا لدى المحدثين، ينهلون منها في صناعة معجمات حديثة، وهذا ما سنحاول سرده في هذه الم

Read More

أسلوب الاستفهام في الحديث النبوي ــ دراسة نحوية

  تقديم لأسلوب الاستفهام أهمية بالغة في اللغة العربية، وتكمن أهميته في الدورالذي يؤديه في عملية التواصل بين البشر، ووظيفته التبليغيةوالحجاجية، وإذا كان معلوما أن التواصل لا يتمّ إلاّ استناداإلى التخاطب، فإن الاستفهام أبرز أدوات هذا التخاطب، لأنه يجسد دورة التخاطب حيث يتوافرعلى مرسل ومرسل إلي

Read More

مجلة العربي في ترويج الثقافة والتراث العربي

دولة الكويت لها إسهامات لا حصر لها في الثقافة العربية كما جرت فيها مختلف دراسات ومحاضرات. ويشير إليها الأستاذ بدر سيد عبد الوهاب الرفاعي (الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ف

Read More

مساهمة قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة علي كره الإسلامية في تحقيق التراث العربي القديم

تسعى مداخلتنا هذه لإبراز الجهود والمساهمات التي قام بها باحثو قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة علي كره الإسلامية [i] في حقل تحقيق التراث العربي القديم، وإحيائهمحققا مصححا ومنقحا بعد ما كان مشوبا ومعرضا لنوائب الدهر التي عصفت به وذهبت بالكثير من كنوزه ونفائسه.لعل من نافلة القول أن نذكر في سياق تحقيق

Read More

دعوة أمير الشعراء أحمد شوقي إلى تحرير المرأة في العالم العربي

النساء نصف أية أمة، ولهن فضل كبير في بقاء الإنسان على سطح الأرض. ويقمن بمسؤولية كبيرة في تقدم أي مجتمع أو في تدهوره، لأن النساء يلعبن أدورا هامة في عجلة الحياة مثل دور الأم، ودور الأخت، ودور الزوج، ودور البنت، وغيرها التي لا يمكن لأحد من الرجال أن يلعب تلك الأدوار. لكن مع أهمية هذه ا

Read More
الأرشيف