قراءة في قصيدة " الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين"

د. مجيب مسافر 2015-04-10

هذه المقالة تحتوي على قراءة تحليلية لقصيدة “الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين” مع بيان بعض عناصر المقاومة فيها.

قاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي،عالم وأديب مشهور من أبناء كيرالا في القرون الوسطى وكان من مواليد أيام الاستعمار. وقد اشتهر بموقفه من المقاومته ضد الاستعمار البرتغالي نثرا في خطبته الجهادية، وشعرا بقصيدته ’الفتح المبين‘.

هذه القصيدة أرجوزة في خمس مائة وسبعة وثلاثين بيتا. يبين فيها عن وصول البرتغاليين إلى مليبار واستعمارهم المليبار ثم عن بنائهم قلعتهم في شاليام، وعن محاربة السامري ملك كاليكوت وجيشه البرتغاليين وفتحه قلعةشاليام. وأما الإسم الكامل لهذه القصيدة هو ’الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين‘. فالشاعر يرى فتح القلعة البرتغالية فيشاليام في سنة 1571م فتحا مبينا. ونظّم فيها قصيدة يصوّر فيها ما رآه من أيّام الحروب والفتح من أحوال وأهوال. وأهدى هذه القصيدة للسامري ملك كاليكوت الذي حارب البرتغال وفتح قلعةشاليام. ويقول الشاعر فيها؛

مسميا لذاك بالفتح المبين                للسامري الذي يحب المسلمين[1]

فترة نظم القصيدة: وإن كنا لا نجد تأريخ النظم من القصيدة، نفترض مما بينه الشاعر في القصيدة من فتح قلعةشاليام في سنة 979هـ (1571م) ومما أشاره فيها إلى مصالحة عادل شاه مع البرتغاليين سنة 1579م، أن فترة نظم القصيدة، إنها تكون في فترة بين فترات 1579م التي صالح فيها عادل شاه، وبين 1607م التي نظم فيها الشاعر قصيدته محي الدين مالا- قصيدته في لغة عربي مالايالام.

مضمون القصيدة: هذه الأرجوزة تحتوي على 537 بيتا في بيان أهوال حرب قلعةشاليام وأحوالها وفتحها، ومقاومة الاستعمار والقوات المستعمرة، وتحريضا للمجاهدين والمقاومين في السواحل المختلفة التي استعمرتها القوات المستعمرة الغربية من بدء القرن الخامس عشر الميلادي. فهذه القصيدة تحتوي على المضامين التالية.

أوّلا: مقدمة من الحمد والصلاة: فيبدأ الشاعر قصيدته بحمد الله عزوجلّ واصفا ببعض أسمائه الحسنى مثل القويّ، والقادر، والمالك، والعلي، والقاهر، وغيرها، ثم بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في الأبيات من البيت الأوّل إلى البيت الخامس.

ثانيا: تعريف بالقصيدة: يصف الشاعر القصيدة من أنها بيان قصة حرب وقعت بين السامري الذي يحب المسلمين والبرتغاليين المستعمرين.[2]

ثالثا: السامري والمسلمون: ثم يبين علاقة السامري والمسلمين، فيصف الشاعر السامري محبا للإسلام والمسلمين، وناصرا للدين، ومجري الشريعة الإسلامية حتي بحكمه بالدعاء في خطبة يوم الجمعة للخليفة العثماني الذي يراه مسلمو العالم أميرا للمؤمنين. ثم يبين مكانة المسلمين عنده حتى أن رؤساء المسلمين هم الذين يقومون في يمينه أيام الأعياد. فيبينها الشاعر من البيت الخامس عشر إلى البيت الحادي والعشرين.[3]

رابعا: مدح السامري وبيان صفاته: ثم يلتفت الشاعر من البيت الثاني والعشرين إلى البيت السابع والأربعين إلى بيان صفات السامري ومدحه. فيصفه بألقابه المشهورة، مثل ’مولى ملوك الأرض‘، ’ومالك ملك الجبال والبحار‘. ثم يبين عن قصة وراثته السيف المشهورة من ملك شيرامان. ثم عن ورّاثه الأربعة الذين لايزيد عددهم ولا ينقص، ثم عن جيوشه من البيدق، والغربان، وعن عدل السامري وسماحته، وعادته في الحروب من إخبار العدوّ بمهاجمته عليه. ويصفه أيضا أنه من رجال الرأي والتدبير، والشجاعة، والصبر والعفو وغيرها من صفات الأخلاق الحسنة.[4]

خامسا: الدعاء للسامري: ثم يدعو الشاعر للسامري ويطلب من القراء أيضا ان يدعوا للسامري، حيث يقول؛

والله يهديه هداية الأبد            ويجرين على أموره السدد

فواجب على جميع المسلمين      أن يدعوا بمثل ذا يا مسلمين

لأنه مع كـفره يحارب             والملك المسـلم لا يحارب[5]

سادسا: بيان وصول البرتغاليين إلى كيرالا: ثم يبين الشاعر من البيت الثاني والخمسين إلى البيت السبعين عن وصول البرتغاليين إلى كيرالا وتركيز سيطرتهم الاستعمارية فيها. فأوّلا يصفهم بأوصافهم الجسمانية، وأخلاقهم، ثم بعاداتهم وعباداتهم، واعتقادهم بالدين المسيحي. ثم يقول إنهم أتوا أرض مليبار سنة 903هـ، (وكان وصولهم سنة 1498م/904هـ على ما يرى زين الدين المخدوم الصغير، صاحب تحفة المجاهدين) ليستولوا عليها وعلى تجارة الفلفل والزنجبيل، وليجعلوا التفوق لهم في التجارة البحرية. فجاؤوا في حضرة السامري بالوعد له بالطاعة والخضوع والوفاء، فاستقبلهم السامري بلا مراعاة ما نصحه فيهم من رعاياه المسلمين وغيرهم عن عادة البرتغاليين، وإراداتهم القبيحة.[6] ثم يقول الشاعر عن اتساع سيطرة البرتغاليين في مختلف أنحاء العالم من مناطقها الساحلية في الهند، والصين، وكمران، وجدّة، وسيلان وغيرها.

سابعا: بيان مظالم البرتغاليين وإفسادهم في مليبار: ثم يبين الشاعر في أرجوزته عن سوء معاملة البرتغاليين مع مسلمي مليبار وغيرهم، وظلمهم أهاليها، وإفسادهم وفتنهم في البلاد. وهذا الوصف يشابه ما وصفه السيخ زين الدين المخدوم الأوّل في قصيدته تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان، والشيخ زين الدين المخدوم الصغير في كتابه تحفة المجاهدين.

فأوّلا نرى هذا التصوير من البيت الحادي والسبعين إلى الحادي والثمانين. فيصوّر إفسادهم وظلمهم من إحراق البلدان، وهدم المساجد، وهتك حرماتها، وقتل الأبرياء من غير ذنب ولاسبب، وظلم المسافرين، ومخالفتهم للسامري. ثم دخلوا قصر السامري سنة 1510م ،[7] وانهزم البرتغاليون، وقتل أكثرهم، ومات غيرهم غرقا. ثم تتابعت الحروب بين السامري والبرتغال.

وهكذا نرى ثانيا ما يصوّره الشاعر من مظالمهم وإفسادهم في البيت الثاني والعشرين والمائة والثالث والعشرين والمائة. فإنهم عطّلوا وعوّقوا أسفار الحج والعمرة والتجارة، وأحرقوا البلدان والمساجد، وصيّروا الأحرار عبيدا. ثم يبينها ثالثا عن مظالم البرتغاليين وإفسادهم للمسلمين في الأبيات، من البيت السادس والستين والمائة إلى السادس والتسعين والمائة. فيقول الشاعر؛

والإفرنج إذ رأى المدافعا         وقوّة القلعة والخلق معا

حام حوالي الظلم والتعدّي       واصطاد للمسلم بالتصدّي

فأكثروا الصولة والعنادا            وأظهروا الطغيان والفسادا

وهدموا مباني الإسـلام           كذا محوا شعائر الأحكام[8]

ثم يبين عن تسلّطهم حتى على الملوك والأمراء، وتخريب البلاد، وتعطيل المعايش، وحبس المسلمين وقتلهم، وإحراق المراكب وإغراق السفن. وكذا أرغموا المسلمين على قبول النصرانية، ومنعوا للمسلمين طرق التجارة والحج حتى صار الناس كلّ يوم في وجل. وأحرقوا المصاحف والمساجد، وضربوا المسلمين بالنعال، ونجّسو المساجد بالأنجاس والمقذرات، ونبشوا القبور، وهتكوا حرمات نسوان المسلمين حتى أمام محارمهن وأزواجهن. وكذا قتلوا المسلمين بالمنشار والنار والكلاب وإغراقهم في البحر والخنق والذبح، وعطّلوا أسفار الحج والعمرة. يصوّر الشاعر هذه في ابياته في صورة تؤلم القلوب وتدمع العيون، حيث يقول؛

وخرّبوا أجلّة البلاد                    وعطّلوا معايش العباد

كم مسلم في حبسهم مقيّدون          وأي محنة بها يعذّبون

كم أيتموا بقتلهم ولدانا            كم أرملوا الإماء والنسوانا

كم من مراكب بنار أحرقـوا        كم من سفائن ببحر أغرقوا

 صيّروا من مسلم نصارى      حتى من السادات كالأسارى[9]

ويقول أيضا يبين مظالمهم وإفسادهم؛

وأحرقوا المصحف والمساجدا        ثم بنوا لهم بها المعابدا

يضرب المسـلم بالنعال             وينجس المسجد بالأبوال

ونبشـوا بظلمهم قبورا                      وعمروا لهم بها قصورا

وهتكوا لحرمة النسوان               بين محارم وزوج عاني

يقود في الأسواق كا الأُسارى         معذّبا مقيّدا حيارى[10]

ثامنا: مصالحة السامري مع البرتغال وبناء قلعة كاليكوت: ويبين الشاعر من البيت الثاني والثمانين إلى البيت السادس والتسعين عن مصالحة السامري مع البرتغاليين وإذنه لهم لبناء قلعتهم في كاليكوت. وكانت هذه المصالحة وبناء القلعة في سنة 1515م.[11] ثم يصور عن عودة البرتغاليين إلى حالتهم القديمة التي كانوا فيها من الظلم والبغي والإفساد.[12]

تاسعا: وقوع الخلاف بين السامري والبرتغال وفتح قلعة كاليكوت: ثم يبين الشاعر عما وقع من الخلاف بين السامري والبرتغال، وعن خروج السامري لفتح قلعة كاليكوت في الأبيات من البيت السابع والتسعين إلى البيت التاسع والمائة. وكان المسلمون والنيّار وغيرهم قد خرجوا من شتى جهات البلاد المختلفة في هذا القتال، فحاصروا القلعة، واستمرّوا فيها حتى فتحوا القلعة سنة 930هـ/ 1523م. ولكن زين الدين المخدوم الصغير صاحب تحفة المجاهدين يرى أن هذا الفتح كان في سنة 932هـ/ 1525م.[13]

عاشرا: مصالحة البرتغال مع راعي كوشن: ثم يبين الشاعر عن انتقال البرتغاليين إلى كوشن ومصالحتهم مع راعي كوشن، لأنه كان في عداوة مع السامري لقوّته وعساكره. ثم يبين عن بناء البرتغاليين قلعتهم فيها. وكذا يشير إلى خروج السامري لمحاربتهم وراعي كوشن، ثم عن استمرار الحروب.[14]

ثم يشير إلى بعض مظالمهم وإفسادهم، وبنائهم قلعتهم في كدنغلور، ثم عن سيطرتهم على تجارة الفلفل والزنجبيل. ثم يبن عن طموح البرتغاليين وظلمهم واغتصابهم الموارد الطبيعية، حيث يقول؛[15] وكذا يشير إلى استيلاء البرتغاليين في البحر إستيلاء تامّا، وكانوا لا يسمحون بالسفر إلا لمن يحمل أوراقهم.[16]

الحادي عشر: طلب السامري النصر من سلاطين المسلمين: ثم يقول الشاعر مبينا في الأبيات من البيت الحادي والثلاثين والمائة إلى الثالث والأربين والمائة، عما أرسله السامري من الرسائل إلى سلاطين المسلمين وملوكهم في البلاد المتجاورة والعربية، يطلب النصر والمعونة منهم في مقاومة البرتغاليين ومحاربتهم، بإرسال الجيوش. فيقول عمن وصلوا لمقاومة البرتغال:

وصلت الجيوش من كجرات مرّتين.

جاء من مصر الأمير حسين لمقاومة البرتغال إلى ديو، وشيول.[17]

ثم جاء سلمان باشا وسليمان باشا من الروم، فوصل سلمان باشا إلى بندر جدّة، وكمران، وبندر عدن.[18]

جاء الأمير المصطفى الرومي، والقبطان الفيري.

ولكن هذه المحاولات كلها لم تأت بنجاحها لعدّة أسباب. فانهزموا أمام جيوش البرتغال.[19]

الثاني عشر: مصالحة أهل كانانور وتانور مع البرتغال، وبدء الاختلاف بين المسلمين: ثم يبين الشاعر من البيت الرابع والأربعين والمائة إلى البيت الثامن والأربعين والمائة عن مصالحة أهالي كانانور وتانور مع البرتغاليين وسفرهم بأوراق البرتغال في البحر للتجارة، ثم عن بدء بعض الاختلافات بين المسلمين الذين صالحوهم وبين الذين لم يصالحوهم إثر ذاك.

الثالث عشر: مصالحة السامري مع البرتغال وبناء قلعتهم فيشاليام: ثم يشير الشاعر إلى ما وقع من الصلح بين السامري والبرتغاليين، وإذنه إيّاهم لبناء قلعتهم في شاليام.[20]

فـأمّا السامري لم ير بدّا من الصلح مع البرتغاليين إذ أنه ضعف بعد صرف أموال طائلة في الحروب لسنوات متوالية ولم يفز بالفتح، فصالحهم وأذن لهم ببناء قلعة فيشاليام. فبنوا فيها قلعة شاليام سنة 938هـ/ 11931م على ما حكاه صاحب تحفة المجاهدين.[21] ثم يصف القلعة وصورها وبناءها.[22]

الرابع عشر: بيان عجز السامري ومقاومته: ثمّ يبين الشاعر عن ضعف السامري، وعجزه في الحرب ومقاومة البرتغال.[23] ثم يقول عن إخراج السامري الأغربات والسفن في المياه لمقاومة البرتغال، ولكن البرتغاليين اغتصبوا أكثرها وجعلوها تحت أيديهم. فما زال السامري يحاربهم مرّة ثمّ يصالحهم أخرى.

فصالح االسامري مع البرتغاليين سنة 1513م/919هـ، ثم صالح معهم لمرّة ثانية سنة 1531م/938هـ، ولمرّة ثا