تجليات الصورة والسرد في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: دراسة سيميائية

حسن البرجي

ملخص:  

حسن البرجي – باحث، جامعة شعيب الدكالي – الجديدة ، المغرب

تهدف هذه الدراسة إلى إبراز أهمية خطاب الصورة والسرد في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وذلك للبحث عن الشروط والأدوار الواجب توفرها في الصورة والسرد لكي يقومان بدورهما التربوي على أحسن وجه. إذ تعتبر الصورة والسرد في الخطاب التربوي من بين المقومات والاستراتيجيات الأساسية في العملية التعليمية التعلمية. وهذا راجع للعدد الهائل من الدلالة والرموز التي تخزنه الصور الأيقونية، وكذا البعد الفني/الإبداعي للنصوص السردية. كما أن التعليم بالصورة والسرد وتعلمهما كفيلان بانفتاح اللغة العربية على المحيط الاجتماعي للناطقين بغيرها فالاستثمار الجيد لهما متعلق بالوعي البصري والسردي للمعلم والمتعلم معا.

الكلمات المفاتيح:الصورة، السرد، التعليم، الدلالة والرموز ،اللغة العربية لغير الناطقين به.

مقدمة:

شهدت اللغة العربية بفضل التلاقح الثقافي والسياسي والاقتصادي انتشارا في الكثير من الدول الغربية، كما ساهمت الحركات الطلابية التي يعرفها التعليم العالي في الجامعات العربية إلى استقطاب أعداد من الطالبة الغير ناطقين باللغة العربية. غير أن تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ليس بالأمر الهين مما يتطلب البحث عن مقومات واستراتيجيات جديدة، يمكن من خلالها التمكن من تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. خصوصا وأن العالم يعرف قفزة نوعية في أساليب التعليم التي تعددت بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد والتعليم الذاتي، إلى جانب التطور الذي عرفته التكنولوجية في مجال نقل المعلومات والاتصال وصولا إلى الذكاء الاصطناعي. أمام هذا التطور الهائل لا يجيب أغفال الدور الكبير الذي تلعبه الصورة والسرد في الخطاب البيداغوجي، فكل الوسائل السالفة الذكر تبقى مساعدة للعملية التعليمية التعلمية. إلى جانب ذلك نجد سيميائيات الصورة والسيميائيات السردية تقدم نماذج تحليلية، تهدف إلى البحث في القواعد والنظم التي تؤطر الصورة/ النص. وفي الإطار ذاته تمكنت مختلف الإسهامات التي قدمت في هذا المجال من الكشف عن الكم الدلالي الذي تزخر به الصور والنصوص القرائية، فإي إنزياح عن النموذج اللساني، في دراسة الظواهر البصرية يقتضي البحث في هذه الظواهر البصرية، ذاتها كما يميزها عن الظواهر الأخرى، أي البحث عما يجعل منها كيانات تمتلك طريقة أو طرقا خاصة بها في إنتاج المعنى[i]. كما تعتبر الصورة والنص القرائي في خطاب الكتاب المدرسي في عصرنا الحديث الأساس الذي تبنى عليه مجموعة من الأبحاث والدراسات في مختلف التخصصات وذلك راجع للبعد الذوقي/الجمالي الفني الذي يزخرا بهما.

وقد عملنا على تقسيم البحث إلى فصلين يسبقهم تقديم عام يتم فيه التعرف على تجليات السرد والصورة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وعلاقتهم بالكتاب المدرسي

الفصل النظري:اعتمدنا في هذه المقالة على إطار نظري يستجيب لطبيعة الصورة والسرد في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

الفصل الإجرائي: سنقوم في هذا الإطار بوصف وتأويل نموذج من النصوص القرائية الموجودة في الكتاب المدرسي المغربي للغة العربية للسنة الأولى من التعليم الإعدادي[ii].

1- إشكالية المقالة: تلعب الصورة والسرد دورا مهما في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. إذ لابد من استشعار أهميتهما في إي نهضة تربوية أو سياسات تهدف إلى تحسين جودة التعليم، وفي بناء وعي أيقوني ولغوي يرسم طريق واضحة المعالم لكل من أراد أن يتعلم اللغة العربية تعليما وتعلما. وتفاعلا مع الإشكالية الآتية: ما الآليات والمقومات الواجب توفرها للاستثمار الأمثل لخطاب الصورة والسرد في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. من أجل تجاوز الإشكالات والعقبات التي تعاني منها اللغة العربية في تعليمها وتعلمها.

ستمثل هذه الأسئلة إطارا ننطلق منه للإجابة عن إشكالية التعليم بالصورة والسرد في اللغة العربية لغير الناطقين بها نظرا لحمولتهما المعرفية والثقافية.

2- أسئلة المقالة: من خلال المحاور المؤطرة للمقالة والإشكالية سنحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة ذات الطابع المنهجي من قبيل: ما الصورة؟ ما السرد؟ وما دورهما في المجال التربوي؟ كيف تساهم الصورة والسرد في تشكيل وعي المتعلمين وتشجعيهم على الإبداع؟

ستمثل هذه الأسئلة إطارا ننطلق منه للإجابة عن إشكالية الصورة والسرد في تعليم وتعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

3- أهمية المقالة: تكمن أهميتها في تناولها أحد الموضوعات المهمة على مستوى الدراسات والكتابات العربية الخاصة بتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. والتي تهدف إلى إيجاد الأدوات المفهوماتية والمنهجية لتحليل الصور والسرد في الخطاب التربوي واستخراج رمزيتهما ي ترسيخ معالم اللغة العربية البصرية واللغوية للناطقين بغيرها.

4- أهداف المقالة: فالهدف من هذه المقالة هو دراسة خطاب الصورة والسرد في الخطاب التربوي دراسة سيميائية من أجل البحث عن:

– الصيغ الدلالية والرمزية والأيقونية والسردية داخل الكتب المدرسية على وجه العموم التي من خلالها يمكن تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

– البحث عن الصيغ والمقومات التي يجب توظيفها في تحليل الصور والسرد الموظفة في الخطاب البيداغوجي.

5- المقاربة المعتمدة: إن طبيعة الدراسة تقتضي الاعتماد على مقاربة التحليل السيميائي التي تقوم على النسق système ،والتزامنية synchronie، والعلامة signe، وبهذا الثالوث ترتبط هذه المقاربة التي تعتبر أهم طرق البحث الكيفي أصوليا بالإرث البنيوي

الفصل الأول : تقنيات إجرائية في قراءة الصورة/النص (السرد) في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

1-الصورة والسرد: المقومات و الحدود

 1-1- الصورة: الشروط ومقومات التطبيق والاشتغال

يختلف تعريف الصورة وتوظيفها من مجال إلى آخر والتي تناولتها  (السيميوطيقا، الأنتربولوجيا، الفلسفة، علم النفس المعرفي) فللصورة استعمالات متعددة منها:

  • ما توجه إلى حواسنا
  • ما توجه إلى عقولنا[iii]  

كما تعد الصورة (تمثيل) (Representation) لأشخاص، أو موضوعات في الذهن)،أو هي (تشابه، أو ما يقلد أو يعيد إنتاج)، كما قد ترشد إلى (استعارة، أو إجراء تجعل من خلاله الأفكار أكثر حيوية بإسناد شكل محسوس لموضوع (Objet)). وقد رادفت بهذا المعنى مصطلح المجاز[iv].

أثناء الدرس يجب على المتعلم أن يكون منتبها حتى يتمكن من إدراك ما تخزنه الصورة، باعتبار أن الإدراك يعد الحركة الأولى التي يخطوها الطفل/المتعلم في الدائرة الإدراكية تليها دائرة الإدراك، وهذه الخطوات من شأنها أن تجعله يتمكن من أن يتمثل الصورة الذهنية ويستثمرها في إطار عملية التلقي والاستقبال وخصوصا عندما يكون الخطاب موجه لقارئ لا ينطق باللغة العربية ويريد أن يتعلمها.

كما أن هناك شروط تجعل الصورة أكثر استيعابا ومنها:

  • أن تحمل الصورة رموز ودلالة ذات معنى مشترك وواضح بالنسبة للمتعلم والمدرس؛
  • أن تكون مساعدة على بلوغ الكفايات المستهدفة من الدرس، وأن تعمل على تنمية الأفكار والمعلومات للمتعلمين؛
  • أن تكون مشوقة ومحفزة للمتعلم من خلال موضوعها وموقعها داخل النص القرائي؛
  • أن تفتح عوالمها الضمنية والصريحة للنقاش من خلال طبيعتها وموضوعاتها، مختزلة للمعلومات الرئيسة للدرس، وأن تراعي قدرات المتعلم ونضجه المعرفي؛
  • أن تكون واضحة وسهلة الاستيعاب من طرف المتعلمين والمعلم؛
  • كما يفترض من المؤلفون للكتاب المدرسي أثناء التصوير التعامل مع الصورة البيداغوجية من قبيل:
  • إبراز التفاصيل المتعلقة بالمناظر البعيدة من خلال اللقطات القريبة، مع العمل على تبئير العنصر الأساسي في المركز البصري؛
  • التركيز على زاوية النظر التي يتم من خلالها التمييز بين مقدم الصورة وخلفيتها؛
  • وضع التوازن في الخطوط والأشكال في عين الاعتبار، وكل ما يتعلق بالبعد التشكيلي في الصورة؛

إن الغاية من هذه المقومات التي ترتكز عليها الصورة التربوية هو تشييد رؤية جديدة التي من شأنها أن تجعل العملية التعليمية التعلمية أكثر مرونة واستيعابا لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. فكل الشروط التي تم الحديث عنها فهي تعد خريطة طريق للصورة المتمثلة في ما هو أيقوني (لوحة تشكيلية،صورة فوتوغرافية) يختزن تمثلات المتعلمين ويحيل على صور ذات أبعاد مختلفة من حيث التأويل تجعل المتعلم يقبل على تعلم اللغة عن طريق التخييل والتمثل والإدراك والتدلال. فكل صورة تحتوي على إرسالية يريد المرسل إرسالها إلى المتلقي الذي بدوره يعمل ذهنه وفكره لتجميع وتفكيك مكونات الصورة الأيقونية واللغوية للوصول إلى قصديتها، والتي يوجد لها أمثول موضوعي في الواقع، وأخرى تشكيلية تحاكي البعد الثقافي للمكونات الطبيعية. وتجتمع هذه الخصائص جميعها في بناء دلالة الصورة. كما أنها أضحت تحتل مكانا متميزا ضمن الوسائط البيداغوجية المستعملة في المؤسسات التعليمية على اختلاف مستوياتها، نظرا لدورها التواصلي في عملية التعليم والتعلم بحيث أصبحت تطغى على المطبوع. ويمكن الحديث في هذا السياق عن ثلاثة أنماط من الصورة البيداغوجية وهي: الصورة الفنية وصور التسلية والصورة الإخبارية.

كما تخضع الصورة في النسق الأيقو-نصي بحسب ليو هوك ليصغتين[v]:

-إنتاج لحظي: ويتم فيه تصور المكون اللغوي مشكلا من العلامات اللغوية، والمكون الأيقوني مكونا من العلامات الأيقونية بصور محايثة.

-إنتاج تعاقبي: وفي هذه الحالة فإن عنصرا النسق الأيقو-نصي، سواء تعلق الأمر بالنص أو بالمكون الأيقوني، يسبق الآخر، «فالآثر الفني» الذي يمكن أن يكون لوحة تشكيلية أو قصيدة بصرية يسبق الخطاب الذي يصف الآثر.

يقع جزء كبير من عبء تعليم المعرفة اللغوية على عاتق الاتصال غير اللغوي يقول باشلار[vi][1]: (الموت هو أولا وقبل كل شيء صورة ،وسيظل كذلك صورة) ، لهذا يجب أن تحمل الصورة رسالة واضحة، تترجم النص المرافق لها، يستحسن أن تكون بسيطة سهلة الإدراك، ولا تثير في نفس المتعلم تساؤلات يصعب الإجابة عنها. وبهذا يكون هناك تناسب بين الصورة المرئية واللفظ. إن القصدية والمماثلة هي نوع العلاقة، كما أن نوع العلاقة يتحدد بنوع التعاون والصراع الذي يكون بين النصوص، أو التعاضد والتنافر. وكل هذا يؤدي إلى مفاهيم فرعية تحاول أن تمنح المماثلة نوعا من العلاقة، مما يؤدي إلى تفريعات عديدة تحتاج إلى تمحيص في نصوص ضخمة الحجم. هذه هي الأولية الأولى لنمو أي نص.

1-2- التعليم والتعلم عن طريق السرد في اللغة العربية لغير      الناطقين بها: الأهمية والتجليات

تنتمي اللغة العربية الفصحى، إلى فصيلة لغوية كبيرة يطلق عليها فصيلة اللغات السامية[vii]، فهي لغة القرآن الكريم فهي لغة قوية من حيث النظم والتركيب والصرف والدلالة. كما أنها تعد لغة الحضارة والتاريخ والعلوم. وفي ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية توجد مجموعة من النصوص السردية ذات الطابع الفني والذوقي والإبداعي. فالسرد يوجد في كل مكان وزمان. وفي السياق ذاته نجد للفظة السرد في القاموس العربي معان كثيرة فقد جاء في كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي السرد: اسم جامع للدروع ونحوها من عمل الحلق ويسمى سردا لأنه يسرد فيثقب كل طرف حلقة بمسمار فذلك الحلق المسرود[viii]  يقول تعالى (أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا)[ix] إي لا تجعل المسمارا غليظا والثقب دقيقا فينفصم ولا تجعله واسعا فينخلع .

نستنتج أن السرد في معناه اللغوي يحيل على كل ما هو متتابع وهذا التتابع ليس زماني بالأساس ولكن قد يكون أيضا تتابع مكاني أو حتى تتابع فكري ومنطقي، فأن تسرد أحداثا تاريخية مثلا هو أن تأتي بها متتالية أي حدث بعد آخر في الزمان والمكان و بطريقة منطقية[x].

إن الدلالة الاصطلاحية للسرد لا تنأى كثيرا عن الدلالة اللغوية التي تعني التتابع. إذ يمثل السرد في نقل الوقائع وتقديمها في قالب لغوي شفهي أو كتابي من قبل شخصية أو مجموعة من الشخصيات ومن أجل توضيح موضوع المحكي (La Notion du Récit) يجب معرفة الأنماط الكبرى الأساسية للخطاب وهي النمط الوصفي، النمط الإنشائي، النمط البرهاني، النمط السردي[xi] هذا ويتكون الخطاب السردي من:

السارد La Narrateur :وهو الذي يمثل صوت الرواية يمكن أن يقوم بعدة أدوار كدور الكاتب الذي يظهر أحيانا بضمير المتكلم و أحيانا أخرى بضمير الغائب،كما يمكنه أن يسند مهمة السرد إلى شخصية أخرى من داخل الحكاية.

المسرود له La Narrataire: وهو متلقي الخطاب السردي الذي يمكن أن يكون قارئا مفردا أو جمهورا وهو لا يقل أهمية عن السارد بل ملازم للرواية مادام حديث الأنا في العمق خطاب موجه للأنت[xii].

بهذا يمكننا القول أن السرد كلام يرنو إلى ربط الصلة بين بات يحمل في جعبته مقولا يتوق إلى إبلاغه ومتقبل يستقبل ذات الكلام[xiii] يفهم من الحديث أن المعلم للغة العربية لغير الناطقين بها ينبغي أن يكون متحكما ومتمكن من اللغة العربية حتى يتسنى للمتلقي أن يفهم القصد من الإرسالية اللغوية التي يتلقها. إذ يقول إميل بنفينيست Émile Benveniste  في هذا الصدد مباشرة وبمجرد ما يعلن المتحدث عن نفسه تسلم مفاتيح اللغة، فإنه يغرس الأخر أمامه مهما كانت درجة حضوره. فإن كل إضفاء صيغة سردية على نص ما تستوجب توافر  عنصرين هما: السارد والمسرود له دونهما يخرج عن كونه نصا سرديا[xiv].

الفصل الثاني: نموذج في قراءة الصور/النص في خطاب الكتاب المدرسي

تستدعي مكنونات الصورة وتحليلها، خصوصا الموجهة للمتعلمين على اختلاف مستوياتهم على مرحلتين اثنتين:

مرحلة الملاحظة والوصف:نعتمد في هذه المرحلة على استدعاء مؤول مباشر متعلق بموضوع مباشر يتم التوقف فيه على المعطيات البصرية والتقريرية للصورة التشكيلية، ثم النسق اللساني. توصف الصورة من الأعلى إلى الأسفل ومن اليمين إلى اليسار، لكن يتم التركيز على وسط الصورة لأنه يضم في الغالب العنصر المبأر فيه.

مرحلة التحليل والتفسير : نستدعي في هذه المرحلة مؤولا ديناميا يعود إلى تجربة مفترضة سابقة في الوجود عن تحقق الصورة، وفي هذا الصدد، نطرح المعلومات التي تشير إليها الصورة ضمن متاهات التأويل بناء على مكتسباتها السابقة، وفي علاقة بمضمون المقرر الدراسي، و طبيعة الدرس الذي نحن بصدده.

اعتمدنا في البحث على عينات تمثيلية موجودة في الكتاب المدرسي المغربي للمستوى الأول من السلك الثانوي الإعدادي المتعلقة بالصورة التشكيلية، مراعين في اختيارها التنويع والاختلاف، قصد البحث في تمفصلاتها الممكنة.

إن التحليل الذي سيتم تقدمه هنا سيكون نتاج زاوية نظر معينة لأنه خاضع بالضرورة للمرتكزات المعرفية والتأويل.كما يجب أن نقر منذ البداية أن هذا التحليل، لن يجيبنا عن كيفية إدراك التلميذ لهذه الصور، مادام هذا الأخير، لم يخضع لتدريبات أولية لتنمية مهاراته. ونحن نعلم أن تحليل التلاميذ يتغير بحسب المستوى الدراسي والمهارات المكتسب بكل مستوى على حدا. بحيث أن تحليل المتعلم يمر عبر ثلاثة مراحل أساسية: إذ تخص المرحلة الأولى مرحلة التعداد للعناصر المكونة للصورة énumération، أما الثانية فتتميز بوصف هذه العناصر، مع التركيز على عنصر التبئير في الصورة  description، في حين ترتكز الثالثة على تأويل مختلف تلك العلاقات (الألوان،الأشكال،الحجوم) بناء على الموسوعة المعرفية للمتعلمين Interprétation.

تعتبر الصورة المقترحة رسما لصورتين ملونتين يظهر فيها مطعم مزدحم بالزبائن، وكلب بجانب طاولة أحد الزبناء يجلس بأمان، في حين يطرد النادل طفلا متشردا اقترب من المطعم. والرسم يعد تفسيريا مبسطا ينتظم في شكل ترسيمة، ويتكون من عدة علامات بصرية. تمثل العلامات البصرية التي يقدمها هذا الرسم المقترح مجموعة من الأشخاص من فئات عمرية مختلفة يتواجدون في مطعم يحتوى على مجموعة من المأكولات. 

لقد وضعت هاتين الصورتين بشكل عمودي. بحيث نجد أن الكتاب المدرسي وظف الصورة الأول في وسط النص القرائي. في حين الصورة الثانية في أسفل الكتاب المدرسي. وكلتا الصورتين توضح مضمون النص. ولكن قبل الخوض في غمار تحليل الصورتين يجب الإطلاع على ما جاء به العنوان باعتباره العتبة الأولى واستهلال يوجه فعل القراءة–بتعبير جيرار جنيت-وقد جاء العنوان تركيبيا: “المتشرد”: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، وخبره محذوف تقديره “مظلوم” و دلاليا: المتشرد هو الشخص الذي حرم من المأوى والمأكل بسبب ظروف اقتصادية أو اجتماعية. 

تنتظم في الصورة مجموعة من العلامات الأيقونية والتشكيلية والعلامات اللسانية، حيث نلاحظ أن هذه الصورة من الناحية الوصفية عبارة عن لوحتين تظهر مجموعة من الشخصيات الآدمية من فئات عمرية مختلفة إلى جانب شخصية حيوانية تتمثل في الكلب، والذي يتواجد بالقرب من مائدة أحد الزبناء المتواجدين في المطعم. أما الصورة الثانية فهي تؤشر لولوج عنصر جديد إلى فضاء المطعم وطلبه الطعام ومقابلته بالرفض والطرد من المطعم وهو مؤشر مباشر لغياب حس التضامن تجاه هذه الفئة من المجتمع التي تعاني من التشرد والإقصاء.

على خلاف الاستقبال الخطي للرسائل، اللسانية، يكون الاستقبال الأولي للرسائل البصرية استقبالا مجملا قبل أن يتحول إلى قراءة خطية، حيث ينتقل بصرنا بسرعة من الصور التشكيلية الأولى إلى الصورة التشكيلية الثانية. وكلتا الصورتين تتمحور حول المأكولات التي يقدمها المطعم للزبناء .كما يشكل ولوج طفل صغير متشرد الحدث الرئيسي. وتبأر لما جاء به عنوان النص القرائي. ودلالة على غياب القيم الإنسانية الداعية إلى التضامن.

فإذا تأملنا الصورتين التشكيلتين المرافقتين للنص القرائي السردي، نلاحظ أنهما تختلفا من حيث الحجم فالصورة الأول التي جاءت في منتصف النص القرائي تحتل مساحة كبيرة وتتميز بالهدوء وكل الألوان المتواجدة بها تدل على ذلك. فتواجد الألوان الباردة المتمثلة في اللون البني والأزرق الفاتح تدل على الهدوء والسكينة. كما لاحظ علماء النفس أن هناك فرقا بين الألوان الحارة والألوان الباردة. إذ تساعد الأولى على التطور التدريجي للتكيف والنشاط وتزيد من التيقظ والتنبه والفاعلية، فيما تدفع الثانية نحو الاتجاه المعاكس إذ لها فاعلية المسكن والمهدئ وهي الموظفة في الكتاب المدرسي. فالألوان الفاتحة (الأصفر ،الأزرق ،واللون الوردي) التي تميز ملابس الزبناء والمأكولات بالإضافة إلى جدران المطعم التي تزينها الألوان (الأحمر الفاتح، والأصفر الفاتح، واللون الأخضر). ولون أرضية المطعم (الأزرق والأبيض) ،إلى جانب العلامة اللسانية المكتوبة بخط عريض والتي تحتل مساحة كبيرة وتوجد في مقدمة المطعم بعنوان (المطعم) والهدف من ذلك جلب انتباه المارة للمحل وهي علامة مميزة عن باقي العلامات التي قد تكون موجودة بالقرب من المطعم. كلها مؤشرات تدل على الراحة النفسية التي ينعم بها الزبناء بداخل المطعم. وقد تمت الإفادة من هذه المعطيات في ميادين كثيرة كواجهات المحلات والمطاعم وتصاميم المنازل والمكاتب.

لا يخفى على أحد الدور الذي يمثله اللون في حياة الإنسان، فالألوان من أهم الظواهر الطبيعية التي تسترعي انتباه الإنسان. ونتجة لذلك اكتسب مع الأيام. وفي مختلف الحضارات دلالات ثقافية وفنية ودينية ونفسية. واجتماعية ورمزية، وأسطورية. توطدت علاقتها بالعلوم الطبيعية وعلم النفس. وشكلت المادة الأساس للعديد من الفنون، والفن التشكيلي على وجه الخصوص.

فحين نجد وجود التناقض الصارخ في الصورة الثانية التي يظهر فيها طفل يرتدي ملابس ذات اللون الداكن متسخة وممزقة وهي مؤول نهائي يدل على التشرد وانعدام شروط العيش الكريم، مما يزيد الصورة تناقضا أعطاء الطعام للكلب كمظهر إنساني بحيث أن الرسام من خلال اللوحة التشكيلية الثانية يظهر فتاة ذات النظارة البيضاء (البلودجين) تطعم الكلب، وتمطره بقطع من البطاطس المقلية وبينما كانت العائلة تأكل وتتحدث إلى بعضها بارتياح بحيث أن “الرسام” أظهر ملامح الوجه وهي تعلوها ملامح الفرح انسجاما مع ما جاء به النص القرائي، وذلك من خلال الصور التشكيلية الثانية التي تصور للتناقض في انعدام للقيم الاجتماعية والحس التضامني. فإذا كان الكلب ينعم باللعب والأكل، فا في الجهة الأخر يوجد طفل يعاني من التشرد يرتدي ملابس متسخة، ويقابل بالرفض والإقصاء من طرف النادل. ليذهب الطفل بعيدا ويكتفي فقط بتأمل الناس وهم يأكلون. فنظرة الطفل وملامح الوجه تأخذ مسار من الأسفل إلى الأعلى وهو دليل ومؤشر على الحرمان من ابسط شروط العيش الكريم وطلب الأكل .فحين نظرة النادل تسير معاكسة للطفل ترسم مسار من الأعلى إلى الأسفل للتدليل على الاحتقار والدونية وانعدام القيم الإنسانية والاجتماعية.

ويمكن تصوير هذه النظرات على الشكل التالي :

 كما أن تمفصل قيم خطاب الكتاب المدرسي داخل المربع السيميائي ثتير قضية المعنى خطابيا، بواسطة التعرف على دلالة اللباس. إذ نجذ لباس الزبناء يتميز بالنظافة والتناسق والأناقة في حين نجد ملابس الطفل ممزقة ومرقعة بقماش من قطع مختلفة دلالة على الانكسار والتشتت والتشرد الذي يعاني منه الطفل وفي هذا الصدد فإن ” النموذج التكويني هو ذلك المبدأ التكويني والمبدأ التصنيفي، الذي تتمفصل داخله وتظهر من خلاله القيم، وإجراءات خلق القيم المتواترة للإيديولوجيا. وإذا كان هذا النموذج قابلا لتوليد أشكال خطابية غير نصية، فإنه يعد أيضا قاعدة أساسية لكل صيرورة ديناميكية مولدة للتركيب النصي”[i] ومن هنا يمكن تصنيف القيم المتضمنة لخطاب الكتاب المدرسي إلى مقومين دلاليين أساسين:

  • مقوم دلالة النظافة
  • مقوم دلالة دلالة الإتساخ

هذان المقومان الدلاليان يمكن أن يتمفصلا من خلال المربع السيميائي على النحو التالي:

يبرز لنا هذا النموذج التأسيسي، كيف تمفصلت قيمة النظافة وقيمة الإتساخ في خطاب الكتاب المدرسي لكلمة التشرد ودلالتها.

و بالتالي يمكن القول أن هناك علاقة بين النص القرائي والصورتين المرافقتين له. لأن الرموز الإحالات التصريحية والضمنية التي تحملهما ويعتبران مكملين لما جاء به النص وجوهر الإرسالية التي ينشدها الكتاب المدرسي و يتوخى إيصالها المتعلم يمكن إستنباطها من خلال الجمع بين المكونين معا. غير أن الصورة بصفة عامة كثيرا ما تستمل إحساس ووجدان المتعلم وتجعله يلج عالمها ويفك رموزها من خلال الملاحظة الثاقبة فالصورة تعطي فكرة عامة لما جاء به النص.

تركيب

وظف الكتاب المدرسي مجموعة من الصور النصوص القرائية كدعامات. وقد كان الهدف من اختيارنا لنموذج الصورة التشكيلية المتواجدة في الكتاب المدرسي هو استكشاف طبيعتها، ودلالاتها، ومختلف طرق اشتغالها.

استندنا في هذه الدراسة إلى جهاز مفاهيمي متعدد، وأدوات سيميائية مختلفة، فالمحلل الذي يستعمل هذا الجهاز المفاهيمي، يكون مطالبا بالاستثمار النسقي لهذه السيرورة، أي احترام النسقية؛ بحيث إن هذه التأويلات تخضع لثقافة المحلل، وبالتالي تختلف باختلاف المعارف الخاصة به، شريطة احترام نسق الجهاز المفاهيمي، وتوظيف ثقافته بدون تعسف.

لقد تبين من خلال قراءة وتحليل الصورة التشكيلية النص القرائي المصاحب لها أنها تحاول بث مجموعة من القيم؛ إذ تختلف تلك الصور باختلاف طبيعة هذه القيم.

كما أظهرت المعطيات المستنتجة من التحليل الذي قمنا به، أن الصورة/ النص لهما أثر كبير في الممارسة التعليمة فكل منهم يكمل الأخر. فالصورة تقوم بأدوار متعددة ومتنوعة؛ فمنها من تكمل النص القرائي،ومنها ما تلخصه وتعمل على ترسيخ دلالته. ولهذا يجب أن يكون اختيار الصور مقننا ومضبوطا حتى يتسنى لها أن تلعب الأدوار الموكولة لها، خصوصا وأن عملية الإدراك ليست بسيطة، بقدر ما تدخل فيها معالجة المعلومات المستقاة من محيط المتعلمين تساهم بشكل كبير في تطور المعارف وتنميتها لديهم. ويستنتج المتعلمون من خلالها كذلك معارف ومعلومات جديدة، قد تكون منتقدة للمألوف أو معززة له. لكننا نخلص إلى أنه لا يمكن اعتبار الصورة في الكتاب المدرسي فضلة، بل هي في خدمة معنى النص.

خاتمة

إن الصورة من خلال دورها في عملية التواصل تعتبر وسيلة شديدة الأهمية لنقل الثقافة. فالصورة تنعم بقدرة التسلل والإقامة الطويلة في الذاكرة. فهي قابلة للإدراك والقراءة من كل الفئات العمرية وإن بمستويات مختلفة.لهذا يجب أن تحمل الصورة رسالة واضحة، تترجم النص المرافق لها، يستحسن أن تكون بسيطة سهلة الإدراك، ولا تثير في نفس المتعلم تساؤلات يصعب الإجابة عنها. وبهذا يكون هناك تناسب بين الصورة المرئية واللفظ.

(حسن البرجي: باحث جامعة شعيب الدكالي – الجديدة،المغرب)

لائحة المصادر والمراجع :

  1. ألجيرداس.أ.غريماس،سيميائيات السرد،ترجمة وتقديم:د.عبد المجيد النوسي ،المركز الثقافي،الدار البيضاء-المغرب، ط.الأولى،2018
  2. بلخن، جنات: لسرد التاريخي عند بول ريكور،منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، دار الأمان،الرباط، ط.الأول ،1435-2014
  3. حجازي،محمود فهمي:مدخل إلى علم اللغة المجالات والاتجاهات،دار قباء الحديثة،القاهرة-مصر،ط2007،4
  4. الخليل،بن أحمد الفراهيدي:كتاب العين(معجم لغوي تراثي)، تحقيق داود سلوم وآخرون، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت،2004
  5. ريجيس دوبري،حياة الصورة وموتها،ترجمة فريد الزاهي،إفريقيا الشرق،بدون تاريخ
  6. سعيد بنكراد ،السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها،منشورات الزمن ـ مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء ،2013
  7. سورة سبأ، الآية 11.
  8. عبد المجيد نوسي ،سيميائيات الخطاب الاجتماعي:دراسة نظرية وتحليلية،المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،ط 1،بيروت،سبتمبر 2021
  9. عبيد كلود ،الألوان،دورها،تصنيفها،مصادرها،رمزيتها ودلالتها، مراجعة محمد حمودـ سلسلة طريق المعرفة المؤسسة الجامعية للدراسات والنشرـ ط1 ،20013
  10. مجموعة من المؤلفين.المفيد في اللغة العربية: كتاب التلميذ والتلميذة.السنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي.ط1، 1438-2017
  11. محمد مفتاح،النص:من القراءة إلى التنظير،منشورات المدارس،ط. الأولى، الدار البيضاء-المغرب، 2000
  12. المملكة المغربية،وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي،دليل الحياة المدرسية،مديرية الحياة المدرسية، دجنبر 2019
  13. وثيقة وزارة التربية الوطنية  ،الملقى التربوي حول الدراسة الخاصة بالكتاب المدرسي،أكاديمية سطات، 30 أبريل 2001
  14. وزارة التربية الوطنية،موجز إحصائيات التربية،الإصدار الرقمي،2008-2009

الهوامش


[i] بنكراد، سعيد ،السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها،منشورات الزمن،مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء، 2003م،ص111

[ii]مجموعة من المؤلفين،المفيد في اللغة العربية: كتاب التلميذ والتلميذة،السنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي،1438-2017،ط1،ص 208-210

[iii]– Jacque Aumont l’image collection Nathan-université,mars 1994,p3.

[iv]– Dubois, J. et Alii.A.REY et Allii. Le robert dictionnaire    historique de la langue français (Vol. 1). Paris: op.cit :1992. p934.

[v] نوسي، عبد المجيد،سيميائيات الخطاب الاجتماعي:دراسة نظرية وتحليلية،المركز العربي للأبحاثصسص ودراسة السياسات،ط 1،بيروت، سبتمبر 2021،ص 241 انظر:

Leo H.Hoek, «Timbres-poste et intermédiarité: Sémiotique des rapports texte/image,»Prortée vol.30, Automme 2022,pp.33-44

[vi] G.Bachelard, Lerre et les rêveries du repos, paris,jose corti, 1984,p312

[vii] -حجازي،محمود فهمي: مدخل إلى علم اللغة المجالات والاتجاهات،دار قباء الحديثة،القاهرة-مصر،ط2007،4،ص. 209.

[viii]– الفراهيدي،الخليل،بن أحمد: كتاب العين(معجم لغوي تراثي)، تحقيق داود سلوم وآخرون، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 2009.ص. 360.

[ix] -سورة سبأ، الآية 11.

[x]– بلخن، جنات: (لسرد التاريخي عند بول ريكور،منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، دار الأمان،الرباط، ط.الأول،1435-2014،ص.31

[xi]– نفسه

[xii] -نفسه.

[xiii]– بوطيب عبد العالي:مفهوم الرؤية السردية في الخطاب الروائي والاختلاف،ضمن مجلة الفكر العربي المعاصرة، مركز الإنماء القومي بيروت،عدد 98/99، 1992، ص. 98

[xiv] – بنكراد سعيد،مدخل إلى السيميائيات السردية: مدخل نظري،منشورات الزمن ،الدار البيضاء،2001،ص.32