رفاعة الطهطاوي داعيًا إلى تربية المرأة وتعليمها

د.هيفاء شاكري 

هناك من الرجال من نادى بتحسين أوضاع المرأة وتعليمها وتثقيفها وما يهمنا هنا هو إلقاء الضوء على هذه الشخصيات، وما قامت به من جهود في سبيل إصلاح المجتمع والرفع من شأن المرأة وذلك لمعرفة الأوضاع التي كانت سائدة في ذلك العصر، والإحاطة بالفكر الذي كان يسود الساحة الرجالية، ونتناول في هذا السياق شخصية رفاعة الطهطاوي، وقد قام الطهطاوي بدور بارز في استنهاض الهمم، ليتكاتف الناس وينهضوا لإعطاء المرأة حقوقها وتعليمها وواجباتها بطريقته الخاصة، وضمن حدود أفكاره وآرائه. وسنرى ذلك بتفصيل أكثر في الصفحات القادمة.

مولده ونشأته: هو رفاعة رافع بن بدوي بن علي الطهطاوي، ولد في طهطا[1] بمصر عام (1801م). وفي عام (1808م) انتقل إلى القاهرة فتعلم في الأزهر. وعندما بدأت النهضة العلمية في مصر، وبدأت الحكومة إرسال البعثات إلى البلدان الغربية، أرسلته الحكومة مرافقًا لبعض الشبان الموفدين إلى البلاد الأوربية لتلقي العلوم الحديثة. وكان عمل رفاعة أن يؤم هؤلاء الشبان في صلاتهم، ويوعظهم ويشرح لهم المسائل الدينية، وينصحهم بالابتعاد وعدم التأثر بالمظاهر الغربية التي يرونها منتشرة في كل الأرجاء. وكان من ذكائه وحنكته أنه استفاد من هذه الرحلة، فتعلم اللغة الفرنسية، وقرأ آدابها، ودرس الجغرافيا والتاريخ. وعندما عاد إلى مصر أصبح رئيس الترجمة في المدرسة الطبية، وأسس مدرسة الألسن،[2] وتولى إدارتها، واهتم بترجمة كثير من الكتب العلمية الأجنبية في مختلف العلوم الحديثة، وظل رفاعة يعطي عطاءه إلى أن توفي عام (1872م) في القاهرة بعد أن ترك ثروة يعتد بها من الكتب.

آثاره العلمية والأدبية: من أهم الآثار التي تركها رفاعة الطهطاوي هي جريدته التي سمّاها “الوقائع المصرية” التي كان لها دور كبير في نشر الوعي الوطني والدعوة إلى النهضة في مصر.

كما أنه ألف وترجم العديد من الكتب, ومن أهمها:

قلائد المفاخر في غرائب عادات الأوائل والأواخر: وقد ترجمه عن الفرنسية للمؤلف دبنج Depping[3]

المعادن النافعة ترجمة لكتاب فيرارد Ferard[4]

مبادئ الهندسة.

المرشد الأمين في تربية البنات والبنين: تحدث فيه عن أصول التربية، وكيفية تعليم الأولاد والبنات وطرق إرشادهم، خاصة في العصر الحديث.

نهاية الإيجاز في السيرة النبوية.

أنوار توفيق الجليل، في تاريخ مصر.

تعريب القانون المدني الفرنساوي.

تاريخ القدماء المصريين.

بداية القدماء.

جغرافية ملطبرون.[5]

جغرافية بلاد الشام.

التعريفات الشافية لمريد الجغرافية.

تخليص الإبريز، يحكي فيه أحداث رحلته إلى باريس.

آراءه وأعماله: وكانت آراء الطهطاوي تهدف إلى إيقاظ سائر أمم الإسلام من عرب وعجم من نوم الغفلة. وقد شدد على تربية نشء البنين والبنات، وقد ألف كتاب “المرشد الأمين في تربية البنات والبنين” لهذا الغرض. طالب فيه بتربية النشء تربية دينية أخلاقية تهدف إلى إصلاح المجتمع. ومن ناحية التعليم، فقد كان من مؤيدي تعليم المرأة، وكان يعتقد أن معرفة النساء القراءة والكتابة واتصافهن بالأخلاق الحميدة والاطلاع على العلوم والمعارف المفيدة هو من أجمل الصفات، وأن المرأة إذا اتصفت بالأدب فذلك يغنيها عن الجمال الذي لا يدوم طويلًا، وعلى العكس فإن الجمال لا يغني عن الأدب. وإذا كانت المرأة متأدبة ومتعلمة، فإن ذلك يؤثر كثيرًا على أودلاها، فمثلًا إذا كانت البنت ترى أمها تهوي إلى القراءة، وتدبر أمور بيتها بنظام، تنجذب إلى ذلك وتريد أن تكون مثل أمها.

أما من ناحية الحجاب فقد كان من المعتدلين فيه ولم يكن متشددًا مثل بعض شيوخ عصره، وكان يرى أن عفة المرأة ومحافظتها على نفسها لا تتعلق بكشف الوجه أو ستره، بل كل ذلك يعود إلى التربية إن كانت حسنة أو سيئة من قبل الوالدين وأفراد الأسرة، والتربية هي التي تؤثر على أخلاق الفتاة فتجعل منها إنسانة تحترم الآخرين، وتلتزم بالحشمة والوقار، أو فتاة طائشة متغطرسة لا تعطي للشعائر الدينية والسلوك الحسن أي اعتبار. وقد رأى أن التربية السليمة هي أساس نهوض الأمة، وترقيها في الحضارة والعمران، ولذلك فإن الأمة التي تحسن تربية أبنائها وبناتها هي أمة سعيدة متقدمة تستطيع الحصول على حريتها. وللحصول على هذه النهضة والحرية شدد كثيرًا على التحصيل العلمي الديني والعصري. ولذلك قام بإنشاء مدرسة الألسن لنقل العلوم التي نبغ فيها الغرب إلى اللغة العربية، كما أنه دعا إلى عمل المرأة وأنها تستطيع أن تشتغل من الأعمال ما شاءت على قدر قوتها وطاقتها. وفائدة ذلك إلى جانب الفوائد الأخرى، أن العمل يحفظ ألسنة النساء من الأباطيل، وقلوبهن من الأهواء، والعمل يصون المرأة ويقربها من الفضيلة، والمرأة التي لا عمل لها تقضي الوقت في حديث الجيران وفيما يأكلون ويشربون ويلبسون.

وطالب باحترام المرأة في جميع الأوضاع والتساوي بينها وبين الرجل، حيث تمتلك أعضاء كأعضائه، وحاجتها كحاجته، وعدم احترام النساء في نظر الطهطاوي دليل على الطبيعة البربرية.

ومن الجدير بالذكر أن الطهطاوي يعتبر الرائد الحقيقي لحركة تحرير المرأة في مصر،[6] وهو أول من دعا إلى النهضة النسائية، وتعليم البنات أسوة بالبنين كما سبق ذكره.

ونلاحظ أثناء مطالعتنا لكتابه الشهير “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” والذي نشر في القاهرة سنة 1834م، أنه قام بعقد مقارنة بين المرأة ووضعها في مصر ووضع المرأة بشكل عام في العالم، وعلى وجه الخصوص في فرنسا، وقد ذكر الطهطاوي في مقارنته عدة ملاحظات حول المرأة الفرنسية من حيث المظهر، والسلوك، والعمل، والمساواة بينها وبين الرجل في الأعمال، وتقسيم العمل بينهما قائلًا: “إن البيع والشراء بالأصالة للنساء وأما الأشغال فهي للرجال”.[7] وأوضح أن المرأة الفرنسية إذا شاركت الرجل في العمل والخروج إلى المتنزهات ومجالات الحياة المختلفة، فإن ذلك لا يقلل من عفتها، ولا يشين أخلاقها، وألقى الضوء على مكانة المرأة في المجتمع الفرنسي، وما يرتبط به من السلوك الفردي والاجتماعي.

حاول الطهطاوي أن يطوّر حال المرأة المصرية، ورأى أن أهم شيء يساعد على ذلك هو تعليمها، فتصبح مؤهلة لاستقبال أفكار جديدة ومطورة، ولهذا الهدف شارك في لجنة تنظيم التعليم التي اقترحت الاهتمام بتعليم البنات وإنشاء مدارس خاصة لهن، لكن هذا الاقتراح لم ينفذ في ذلك الوقت، لأن المجتمع لم يكن ليتقبل هذه الفكرة الغريبة عنه. واكتفت اللجنة بإنشاء مدرسة تمريض.

ثم ألّف الطهطاوي كتابيه (مناهج الألباب المصرية في الآداب العصرية)، و(المرشد الأمين للبنات والبنين) والذي وضع فيه استراتيجية جديدة لتعليم البنات، ومهّد الأذهان لهذه الفكرة من جديد، وطالب بضرورة المساواة بين البنات والبنين في التعليم، وهو أهم كتبه في المجال التربوي، وفيه دعوات تحررية متعددة وجديدة على المجتمع المصري في ذلك الوقت، فهو أول كاتب عربي حديث يكتب في التربية ويدعو إلى تعليم البنات، وقد استفاد الطهطاوي من الدراسات الأوروبية في التربية في عصره كثيرًا. وإذا أمعنا النظر في أهداف الطهطاوي من تعليم البنات فنجد أنها ثلاثة:

1ـ البنت المتعلمة أفضل لحسن العشرة عند الزواج، حيث أنها تزداد أدبًا وعقلًا، وتصلح لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، ويعتبر الطهطاوي الزواج المتجانس هو الذي يتحقق بين رجل متعلم وامرأة متعلمة.

2ـ الفائدة التي تعود على أولادها، إذ أن أدب المرأة يؤثر على أخلاق أولادها، فإذا كانت الأم متعلمة، يخرج إلى المجتمع أبناء صالحين يكوّنون المجتمع الصالح.

3 ـ تمكين المرأة من حق العمل كل في نطاق مؤهلاتها، مما يجنب النساء الفراغ وعوائده كما سبق ذكرها.

تحدّث الطهطاوي في كتاباته عن قضية مهمة أخرى تخص المرأة، وهي قضية تعدد الزوجات التي كثر فيها القيل والقال. لم يحرم الطهطاوي التعدد، ولكنه اعتبره مضرًا بالمجتمع والفرد والأولاد والمرأة إذا لم يكن مقيدًا بالعدل، ولم يكن يرضاه لنفسه، وقد تعهد بعدم الزواج من امرأة أخرى في وثيقة مفتوحة كتبها لزوجته، التزم فيها بأن يبقى معها وحدها على الزوجية دون غيرها من زوجة أخرى ولا جارية، فإذا تزوج بامرأة أخرى فتطلق الزوجة الأولى تلقائيًا، وقد وعدها بأنه سيبقى على عهده ولا يخله ما دامت معه على المحبة والوفاء والولاء.

وكان من رأي الطهطاوي أن العلاقة الزوجية هي ليست علاقة امتلاك الرجل للمرأة، إنما يجب أن تكون علاقة صداقة ومحبة بين الزوجين. وهي التي ينتج عنها الاتحاد والائتلاف بين الرجل وأهله، وما ينتج عن ذلك من تقوية الروابط، وسمر الحديث والمحادثة اللطيفة، والتبسم، وإظهار التعطف والمحبة، وكل ذلك يؤثر على النفس ويؤكد على المحبة، فينشأ الأولاد أيضًا في هذا الجو المفعم بالحب والولاء نشأة سليمة صحيحة، وتنتقل إليهم هذه المشاعر الجميلة التي يرونها في والدهم ووالدتهم، فيتخذوهما قدوة لهم، ومن خلالهم وعندما يأتي وقت تكوين أسرهم ويخرجون إلى الحياة، تنتشر هذه المشاعر كلها في المجتمع، وبذلك يصبح مجتمعًا يسوده الحب والولاء، ويشار أن الطهطاوي بأفكاره هذه وخصوصًا ذكره للمرأة الفرنسية وخروجها إلى الحياة العامة والمشاركة فيها، كان الأول الذي تحدث عن هذه الأمور لكي يستنير الناس برأيه في الأمور المذكورة، وقد حمله البعض مسؤولية الدعوة إلى السفور وتحرير المرأة في المجتمع المصري قبل قاسم أمين. ولكنه لم يلق المعارضة والهجوم الذي لقيه قاسم أمين بعد نشره الكتاب “تحرير المرأة”، ولذلك عدة أسباب منها: إن الطهطاوي لم يذكر عبارة “تحرير المرأة” في كتاباته، بل استعمل كلمات مثل “تربية المرأة”، و”تعليم البنات” و”العمل إذا اقتضت الضرورة ذلك”. بالإضافة إلى ذلك فإن الآراء التي قدّمها لم تكن تعرض على الرأي العام والمجتمع بشكل مفتوح، بل كانت تعرض في مجلة “روضة المدارس”[8] التي توزع على دواوين الحكومة وعلى المدارس، وكانت الدولة تسيطر على وسائل النشر، ولم يتابع الرأي العام تلك الأفكار، وكانت هذه الآراء جزءًا من مشروع محمد علي وبعده الخديوي إسماعيل، فكانت الدولة تساند هذه الأفكار وتشجعها، وتنفذ الكثير منها.

رأينا كيف حاول الطهطاوي أن يربط بين الدين والمدنية الحديثة، ونادى بأخذ كل جديد ومفيد، وتغيير العادات والتقاليد المنتشرة في المجتمع والتي لا أصل لها في الدين، ويكون الطهطاوي بذلك الرائد في اتجاه التقدم، وواضع أسس الحركة الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، وكان إمامًا وداعية ومصلحًا اجتماعيًا. ناضل كي يحرر المرأة الشرقية من أغلال الجهل، فامتزج في عقله الفهم بالإسلام، وحقق العدالة الاجتماعية للجميع وخصوصًا المرأة.

وقد قال أحمد شوقي[9] في رثائه لعلي بن رفاعة الطهطاوي[10]:

يابن الذي أيقظت مصرَ معارفُه    أبوك كان لأبناء البلاد أبًا

الهوامش

1- طهطا: مدينة في مصر، فيها مرسى للسفن على النيل

2- مدرسة الألسن: مدرسة لترجمة العلوم الغربية إلى اللغة العربية أسّسها رفاعة الطهطاوي وتولّى إدارتها

3- دبنج: G.B.Depping (1784ـ 1853م)،ولد في مدينة مونستر في ألمانيا، أكثر مؤلفاته باللغة الفرنسية، نال عدة جوائز. له قصة شعرية (مندور ولورا)، و(تدريبات نحوية لاتينية)، و(تاريخ أسبانيا).

4- فيرارد: مايكل (1791ـ 1967م)، كيميائي وفيزيائي بريطاني. اكتشف بعض الظواهر الكهربائية والمغناطيسية

5- ملطبرون: (1775ـ 1826م)، جغرافي دانماركي عاش في فرنسا. أسّس جمعية الجغرافيا 1821م. له (الجغرافيا العامة) التي ترجمها رفاعة الطهطاوي

6- د. النجار، حسين.  رفاعة الطهطاوي رائد فكر وإمام نهضة. سلسلة أعلام العرب، 1987م ص160 نقلًا عن الأصول الفكرية لحقوق المرأة، منى أبو زيد

7- الطهطاوي، رفاعة. تخليص الإبريز . ص187.نقلًا عن الأصول الفكرية لحقوق المرأة، منى أبو زيد

8- مجلة روضة المدارس: مجلة مصرية أصدرها رفاعة الطهطاوي عام (1870م) كانت تهتم بأخبار المدارس والنظام التعليمي، وتنشر مقالات تاريخية، جغرافية، اجتماعية، صحية، أدبية، وقصص وأشعار. وكانت خاصة بالمدارس وديوان التعليم

9- أحمد شوقي: سبقت ترجمته

10- على بن رفاعة الطهطاوي: أصغر أبناء رفاعة، يعتبر من نوابغ الحياة الفكرية في مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *