الأستاذ محمد الحسني وخدماته في اللغة العربية 

السيد/ فردوس أحمد بت   

الأستاذ محمد الحسني بن الدكتور عبد العلي الحسني كان من أولئك الشخصیات البارزة الذین لعبوا دورًا هاما في تطویر اللغة العربية وآدابها في الهند. وكان مع ذلك داعية كبیرًا دعا في كتاباته إلی القضاء علی الأيدولوجيات القومية واللادينية والعلمانية، وإلى التسلح بأخلاق فاضلة إسلامية خالصة لا تعتريها شوائب كما أرشد المسلمین إلی النهضة والأخوة الإسلامیة، وأوصاهم بالرجوع إلی كتب السلف الصالحین. كان هذا الداعية بمثابة معول قضى على جميع الدعوات التي اجتاحت العالم الإسلامي عامة ومصر على وجه الخصوص.

ولد محمد الحسني في 17 من شهر رجب عام 1354ه/1935م في مدينة لكناؤ بأترابرديش الهند وتوفي في 17 من شهر رجب عام 1399ه/1979م وهو في الرابعة والأربعین من عمره. درس القرآن الحكيم وتعلم اللغتین الأردية والفارسية من معلم كان يأتي إلى بيته وتلقى مبادئ اللغة العربية من والده الدكتور عبد العلي الذي كان من العلماء الكبار والأفذاذ الذين جمعوا بين القديم الصالح والجديد النافع. وعمه الكریم الشيخ أبوالحسن علي الندوي كتب سلسلة من الكتب باسم “قصص النبين للأطفال” ليعلمه العربية وأصبح هذا الكتاب فيما بعد كتابا أساسيا لتعليم اللغة العربية في المدارس الدينية والعصرية. كان محمد الحسني يحب العربية حبا شديدا من طفولته وها هو ذا ما قاله عمه أبوالحسن علي الحسني الندوي : ” إنه أحب اللغة العربية من صباه، وحب الصبا شديد، وأحب أبناءها وكل ما يمت إليها بصلة، وكان يتمثل العرب في قصص الرعيل الأول للإسلام وطليعة الدعاة و المجاهدين (1)”.

كان محمد الحسني يتميز عن زملائه منذ طفولته بحبه المفرط للغة العربية حيث سطر قلمه السيال الأعاجيب التي أدهشت العلماء والفضلاء. أخذ كتابة المقالات وهو في الثالثة عشرة من عمره ثم ترجم محاضرة أبي الحسن علي الحسني الندوي – التي ألقاها بالأردية في عام 1949م – إلى العربية في وقت يسير جدا وكان عمره وقتذاك أربعة عشر عاما، ونشرت هذه المحاضرة عدة مرات بعنوان “بين الصورة والحقيقة” فلمع اسمه في الأوساط الأدبية لمعة الشمس، وذاع صيته في الهند والدول العربية، ثم أسس مؤسسة باسم “المنتدى الأدبي” سنة 1954م وفي ريعان الشباب أرسل مقالته الأولى بعنوان “العالم الإسلامي على مفترق الطرق” إلى رئيس التحرير لمجلة “المسلمون” الدمشقیة, الدكتور سعيد رمضان فشجّعه بنشر مقالته, مع أنّه كان صغیرًا في عمره ولكنه من ناحیة التأمل والتفكیر كان یتفوق الكبار. يبين الأستاذ سعيد الأعظمي هذه الحقيقة بالعبارة الآتية: “بدا لي أن محمد الحسني ليس شابا عاديا كسائر الشباب في المدارس والجامعات الإسلامية، بل إنه يتميز بتفكير سليم، وإنه يفكر في ما لا يفكر فيه الشباب بوجه عام، وإنه يتطلع إلى مستقبل بعيد، ويدرس أحوال المسلمين في العالم الإسلامي، ويتابع قضايا الفكر الإسلامي والمسلمين والدعوة الإسلامية باهتمام بالغ، ويبدي فيها آرائه، كما يفعل كبار المفكرين وأصحاب الدعوات والفلسفات(2)”.

الأستاذ محمد الحسني والترجمة :

قد ترجم الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – عدة كتب من العربیة إلی اللغة الأردیة فأمكن لأهل اللغة الأردیة أن یستفیدوا من ثمار الجهود المبذولة, ویفهموا الأفكار المكتوبة بالعربیة، فالأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – كان ماهرًا في فن الترجمة يقول عنه أبو الحسن علي الندوي : “كان مترجمًا بارعًا دقیق التعبیر، محافظًا علی روح هذه المقالات والمحاضرات، مقلدًا لأسلوب صاحبها إلی حدّ یُثیر العجب والإعجاب، حتی كأنّه نسخة من الأصل، وصورة لفكرة الكاتب ونفسیته”(3). بدأ محمد الحسني الترجمة من بیته ترجم محاضرة أبي الحسن الندوي من الأردیة إلی العربية لمّا كان في السنة الرابعة عشرة من عمره كما ذكرنا سالفا. ونقل محمد الحسني كتاب “الطریق إلی مكة” للأستاذ محمد أسد إلی الأردیة وطبع باسم “طوفان سے ساحل تك” ( من الیم إلی الشاطئ ) وذلك في سنة 1960 للمیلاد ، فكان له ید طولی في فن الترجمة، قد نقل عدیدًا من كتب أبي الحسن الندوي إلی اللغة الأردیة منها “الأركان الأربعة” و”الصراع بین الفكرة الإسلامیة والفكرة الغربیة” و”إذا هبت ریح الإیمان” و”ربانیة لا رهبانیة” و”السیرة النبویة”.

كان له إلمام بلغات عدیدة مثل العربیة والأردیة والفارسیة. لم يترجم الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – إلی الأردیة فحسب بل كتب المقالات والكتب باللغة الأردیة ومن أهمها “روداد جمن” وذلك سنة ۱۹۷۵ للمیلاد، وكذلك عمل رئيسا لتحرير صحیفة أردیة “تعمیر حیات”.

ظهرت براعة الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – في موضوع التراجم والسیر في عام 1965م حين ألّف كتابًا عن حیاة الشیخ محمد علي المونجیري مؤسس ندوة العلماء و كتابًا آخر عن حیاة الشیخ علم الله النقشبندي وهذان الكتابان ينطقان ببراعته في المجال المذكور.

الأستاذ محمد الحسني ومقالاته

من أهم آثار الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – المقالات المنشورة في مجلة “البعث الإسلامي” وصحیفة “الرائد” الفينة بعد الفينة. فقد كان یهدف فیها وفق أهداف “المنتدی الأدبي ” إلی بعث الروح الإسلامیة والأدبیة في الشباب، وتوجیهات رشیدة للطلبة في الدراسة والتعلیم، وتوثیق الصلات الأدبیة والثقافیة بین المدارس العربیة في الهند، وإنشاء روابط ثقافیة بین طلبة المدارس العربیة في الهند وشباب العالم العربي ورفع مستوی اللغة العربیة والأدب العربي في الهند. قد جمعت معظم مقالاته ونشرت في شكل كتب مستقلة منها : “الإسلام الممتحن” و”المنهج الإسلامي السلیم” و”أضواء علی الطریق” و”مع الحقیْقة “. فههنا ننظر إلی كتابه الأول المسمی بالإسلام الممتحن:

الإسلام الممتحن : أول ما نشر من كتبه هو كتاب “الإسلام الممتحن” فهو عبارة عن المقالات العدیدة التي كتبها هو في الفترة ما بین 1954م و1975م . ونشرت مقالته الأولی بعنوان “العالم الإسلامي علی مفترق الطرق” وآخرها “حسن البنا في محراب التاریخ الإسلامي”. كتب الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – هذه المقالات حینما اجتاحت عاصفة القومیة العربیة العالم العربي، دخلت محل العقیدة الإسلامیة والدعوة الإسلامیة، فما أمكن من الأمة الإسلامية إلا القلائل أن یخالفوا وینقدوا هذا كله ومنهم الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – الذي خالفهم وبیّن لهم المنهاج السوي بكتابة المقالات التي صدرت في مجلة “البعث الإسلامي” بعنوان “الأضواء” و”مع الحقیقة”، وتلك المقالات, هي التي جمعت وطبعت باسم “الإسلام الممتحن” في سنة 1977م من دار المختار الإسلامي للطباعة والنشر والتوزیع بالقاهرة. عبر فیها الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – عن شعوره الجریح الفیاض، وما كان في قلبه من ألم ألیم، ودافع فيها عن الفكرة الإسلامیة وذكر من العرب بصفة خاصة عن رسالتهم ومركزهم في العالم، وخصائصهم بین الأمم. یقول أبو الحسن الندوي : ” مع هذه السمة البارزة لهذه المقالات فإنّها تدعو إلی التأمل العمیق، وتغذي الفكرة، وتفتح آفاقًا جدیدة للفكر الإسلامي “(4).

یشمتل هذا الكتاب علی اثنتین وثلاثین مقالة، یتكلم فیها حول ثلاثین موضوعًا من المضوعات المعاصرة المهمّة من الدین والأدب والسیرة والاجتماع والسیاسة. مع أنّ مقالات هذا الكتاب كتبت ونشرت في مختلف الأوقات بینها ربط یربط الأولی بآخرها وأشار إليه صاحب المقالات الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – “جاءت هذه المقالات أو الافتتاحیات التي نشرت في مجلة “البعث الإسلامي” في أوقات متفاوتة، وتنوعت موضوعاتها وظروفها وملابساتها، تضرب علی وتر واحد، وتربطها رابطة واحدة، یطیب لي أن أعبر عنها برابطة, الحب في الله والبغض في الله” (5).

كان یهدف إلی أن یجد فیها الشاب المسلم الحائر ما یعید ثقته بهذا الدین، ویقوي إیمانه بالله. كتبها في فترة حرجة في التاریخ الحدیث للأمة الإسلامیة في التاريخ الحديث ,و جاءت … إنعكاسًا لهذه الحوادث ودراسة لهذه الأوضاع، وتفسیرًا لهذه التطورات التي شهدتها مصر. خالف الأستاذ جمیع الفلسفات المادیة وبین شرورها أمام الناس بیانا واضحا وبأسلوب لاذع ، فهو یقول في مقالته “عاهة الشیوعیة ” : ” إن عداء الشیوعیة للدین وحقدها الشدید الدافین للإسلام قضیة معروفة لدی الجمیع، أما ذهابها بأمن الحیاة ورخائها وسعادتها … وانكارها للمعاني النبیلة مثل حب الأطفال وصلة الرحم ومعاشرة الإخوان … فإن كثیرًا من الناس في هذه البلاد یتسابقون ویتزاحمون علی شراء هذه الآفة والعاهة، كأنه خیر كثیر حرموا منه بینما سعد به الآخرون. فهل هو خیر كثیر، أم شر مستطیر؟ (6)”. كان محمد الحسني یدعو إلی الأخوة الإسلامیة وكان یتمنی أن تسعى مجلته “البعث الإسلامي” إلى إيجاد رابطة قویة تربط بها بین أبناء العرب والهند فهو یقول : “ستحاول مجلة “البعث” أن تكون نقطة اتصال وهمزة وصل بین الهند والبلاد العربیة الشقیقة، تحمل رسالة أبناء الهند إلی إخوانهم في الشرق العربي وتحمل تمنیات أبناء البلاد العربیة وعواطفهم الطیبة نحو إخوانهم في الهند (7)”.

إن مقالات الأستاذ محمد الحسني – رحمه الله – تدل علی سداد رأیه ومتانة استنتاجه، وإصابته المحز ، وضربه علی الوتر الحساس ، وتصویره البارع للحقیقة والواقع، یقول في مقالة عنوانها “جیلنا الجدید في حاجة إلی إیمان جدید” : ” إذا اعتقدنا أننا نستطیع محاربة الغرب بتعلیمه وثقافته أو نستطیع أن نحاربهم – في تعبیر أصح وأفصح – بمخالفات فلسفته و فتات أفكاره فذلك وهم وخیال، وضرب من المحال ، إننا لا نستطیع أن نهجم علی حضارة الغرب ونقاوم غزوه الفكري وننتصر علیه بإذن الله، إلا بالإیمان الذي أفلس فیه الغرب إفلاسًا شائنًا، وذلك هو السلاح الوحید، السلاح الأكید” (8).

أسلوبه في مقالاته

أسلوب صاحب هذه المقالات یختلف من مقالة إلی مقالة بأنّها كتبت وبینها مدة غیر قلیلة، كانت مقالاته في البعث الإسلامي یصف الواقع في العالم الإسلامي وینتقد ما یحدث فیه من تطوّرات بأسلوب عاطفي وبقلب حزین، ولا تطفي عاطفته وتأثیره بالأحداث علی التحلیل والاستدلال العلمي (9) فإنّه یتكلم أحیانًا كأب یوصي ابنه العزیز وأحیانًا كأستاذ شفوق ینصح تلمیذه الرشید ویبدو أحیانًا كأنه یلقي خطبة الجمعة بین عامة الناس و فی كلامه یوجد أبلغ التأثیر و الجذابة كما أنه و زیّن مقالاته بالآیات القرآنیة و الأحادیث الشریفة. یقول أبو الحسن عن أسلوبه في كتابة هذه المقالات : ” فصدرت هذه المقالات في أسلوب قوي ملتهب، هو نتیجة كل صراع نفسي، رافقته قدرة بیانیة، قلم سیال رشیق وثروة لغویة وهذا الأسلوب له قیمة في إیقاظ الشعور وتحریك النفوس والعقول” (10).

إنّ للبیئة تأثیر كبیر في تنمیة شخصیة ما وتطویرها ورقیها وفي الحصول علی المعالي، فكتاباته ليست إلا تأثیر البیئة التي نشأ فیها الأستاذ محمد الحسني والتي دفعته إلی كتابة هذه المقالات القیمة ذات أهمیة بالغة، فهو أدّی ما كان علیه أن یؤدي من خدمات الدین والعلم والأدب العربي. فهو لعب دورًا مهمًا في إیقاظ المسلمین من سباتهم العمیق وتحریك نفوسهم الجامدة وأنقذهم من أخطار الفلسفات الفاسدة الضالة. وأثبت الأستاذ محمد الحسني أنه من خیر الدافعین عن الإسلام والمسلمین. فهو ما أثرى مكتبة الأدب العربي بمقالاته القیمة وكتبه النافعة فحسب، بل ملأ زاویة من مكتبة اللغة الأردیة بتألیف الكتب فیها وبنقل الكتب المختلفة من العربیة إلیها. فتوجد في كتبه ومقالاته لذة الإیمان ومنهج السلف الصالحین وأسلوب أدبي بلیغ جذاب عال. فجزاه الله أفضل الجزاء .

الهوامش

1-  علي ، أبوالحسن الندوي, تقديم كتاب الإسلام الممتحن, ص ۱۰, دار عرفات رائي بريلي يو. بي، الهند , ط5 ،1997م

2-  الأعظمي ، سعيد الندوي، تقديم كتاب مع الحقيقة, ص6, مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهيد رائي بريلي, 2008م

3-  علي ،أبوالحسن الندوي ، ص 28,

4-  علي ،أبوالحسن الندوي, ص 20

5-  علي ،أبوالحسن الندوي, ص1

6-  . الحسني، محمد: الإسلام الممتحن. ص ۲۱۳، المختار الإسلامي للطباعة والنشر والتوزیع القاهره، ۱۹۷۷م

7-  الحسني، محمد ۔ البعث الإسلامي ۔ دار العلوم ندوۃ العلماء لكهناؤ ، یو. بي, عدد أکتوبر ۱۹۵۵ م

8-  الحسني، محمد: الإسلام الممتحن. دارعرفات راے بریلی یو.بی. الهند, ط 5، ۱۹۹۷م .

9-  رشید، واضح الندوي تقديم كتاب أضواء علی الطریق, ص ۸, ط5, مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهيد رائي بريلي يو. بي الهند , 2008م

10-                     علي ،أبوالحسن الندوي, ص 19

المصادر و المراجع

1. الحسني، محمد: الإسلام الممتحن. دارعرفات راے بریلی یو.بی. الهند, ط 5، ۱۹۹۷م .

2. أضواء علی الطریق, لمحمد الحسني، مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهید راے بریلی, سنة ۲۰۰۸م

3. تعمیر حیات, عدد خاص بذكری الشیخ عبد السلام قدوائی الندوي و الشیخ محمد الحسني و الشیخ إسحاق جلیس الندوي ,لكهناؤ . ۱۹۸۰م

4. تاج الدین، أیوب الندوي. محمد الحسني حیاته و آثاره. مؤسسة فیصل التعلیمیة جامو ، 2004م

5. الحسني، محمد مع الحقیقة . مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهید رائے بریلی سنة ۲۰۰۸م

6. الحسني، محمد. المنهج الإسلامی السلیم. مؤسسة محمد الحسني الطبعة الأولی سنة ۲۰۰۰م .

7. الحسني، محمد. همسات إلی جزیرة العرب ، دار عرفات للدراسة و الترجمة و النشر راے بریلي .

8.  مجلة البعث الإسلامي و صحیفة الرائد أعداد مختلفة (ما بین 1954-1975).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *