مُصطلح المتقدِّمين والمُتأخِّرين عندَ أبِي إسْحَاقَ الشَّاطبي، ودورُه في صيَاغة أسس التَّفكيرِ النَّحويِّ

د. أشرف سليم

د. أشرف سليمكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل، القنيطرة ، المغرب.

سيناقش هذا المقال إشكالية المتقدمين والمتأخرين في النحو العربي، من حيث الاصطلاح، ودورهما في تأسيس تفكير نحوي خالص، وأعطينا أنموذجا في ذلك بإمام المقاصد الشرعية، والشروح النحوية الطويلة أبو إسحاق الشاطبي الغرناطي الأندلسي؛ فرغم كون الشاطبي معروفا بالنبوغ في المقاصد الشرعية، إلا أن تحقيق كتابه الضخم المؤتلف من ملجدات عشرة: “المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية” سنة 2007 من لدن مركز إحياء التراث في مكة المكرمة جعل هذا الإمام الفذ يعرف بنبوغ جديد في النحو العربي، ومصطلحا المتقدمين والمتأخرين ما هو إلا نزر من بحر خضم يعرف القارئ يعمق ودراية على هذا النبوغ النحوي، وتلمس تجلياته وأبعاده المتعددة.

الكلمات المفاتيحية: المتقدمين، المتأخرين، النحو العربي، الشاطبي، مصطلح.

المقدمة:

 عُرف أبو إسحَاقَ الشاطبيِّ بالنُّبوغ في العديد من العلُوم الإسلامية؛ والتَّصدر والفُتيا في كثيرٍ من المسائل الدَّقيقة؛ ليس في العُلوم الشرعية من عقيدة، وفقه، ومعاملات…؛ وإنما أيضا في علوم الآلة؛ فقد خرج سنة 2007 عن مؤسسة إحياء التراث في جامعة أم القرى تحقيقُه الضَّخم في شرح ألفية ابنِ مالك سمَّاه: المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية؛ وهو سِفر له عشرةُ مجلَّدات، يخوضُ في مسَائل علُوم اللغة العربية؛ من نَحو، وصَرف، وبلَاغة، وعَروض، وإنشَاء، وأدب…، وإن كان للنَّحو فيه قَصب السَّبق؛ فهو عمدتُه، وأساسُه الذي قُيِّظ من أجلِه.

 وكانتْ للشَّاطبي في هذا السِّفر مجموعةٌ من الآرَاء والاجْتهَادات، التي حاولَ فيها تأسيسَ تفكيرٍ نحويٍّ مُصطَبغ بِصبغة مدرَسة نحويَّة أندلسيَّة خاصَّة، تمتحُ من المتقدِّمين الباكريِن من النُّحاة الأوائلِ، وتَستفيد من النُّحاة المتأخرين؛ لتَكوين فكر نحويٍّ جديدٍ متَّسم بالتَّجديد والأصَالة. ما يهمُّنا في هذه الورَقة العلميَّة بالتَّحديد، هو: الاصْطلَاح الذي خصَّ به الشاطبيُّ في المقاصد الشافية المتقدِّمين والمتأخّرين؛ فهُما مدخلٌ أساسيٌّ لفَهم أسُس التَّفكير النحويِّ لديه، والحكمِ عليه –دون شك- بالأصَالة والتَّجديد، والانْفتاح على مُختلف الآرَاء والمشَارب، وعدَم التَّحجير أو التَّعصب على رأيٍ واحدٍ، دونَ دَليل واضحٍ، أو برْهان دامغٍ.          

إشكالية الورقة العلمية: تقوم هذه الورقة العلمية على إشكالية أساسية؛ هي: كيف قدم أبو إسحاق الشاطبي المتقدمين والمتأخرين في المقاصد الشافية؟ بمعنى هل انتصر لفريق على فريق آخر، وأسس تبعا لذاك مدرسته في التفكير النحوي؟ لاسيما أن الشاطبي عاش في مرحلة كان كثير من أترابه من علماء عصره ومصره يتخندقون في مدرسة فكرية، يتمايزون تلوها على المدارس العقدية واللغوية الأخرى.

هدف الورقة العلمية: تروم هذه الورقة العلمية بيان مصطلح المتقدمين والمتأخرين عند أبي إسحاق الشاطبي، مع ما ينتج عن هذا البيان من وضوح في التفكير النحوي عند الشاطبي، بالإضافة إلى الوقوف أكثر مع هذا المصطلح الذي لا يعني ألبتة أن المتقدمين هم القدماء، والمتأخرين هم المعاصرون لزمنهم؛ بل لهذين المصطلحين أبعاد أخرى عند الشاطبي ستسعى الورقة لبيانها، وتوضيحها.

المنهج المتبع في هذه الورقة: اقتضت طبيعة هذه الورقة اتباع المنهج الوصفي التحليلي، لمناسبته موضوعها، وتوافقه مع إشكالها، وهدفها العام.

1-مصطلح المتقدمين والمتأخرين:

  من تَعقَّبَ أثَرَ ما خَطَّه أهلُ العلمِ فيِ مُختلف الكِتَابَاتِ الشّرعيَّة من: تفسيرٍ وفقهٍ وحديثٍ وكلامٍ وعربيَّةٍ وغيرِها يَلفِي حضورَ مصْطلحِ المتقدّمِين والمتأخّرِين مَاثِلاً أمَامَه لاَ يَزِيغُ عنه بَصَرُه؛ بُزُوغُ هَذا المُصطَلحِ اسْتَدعَى عُلماءَ هَذه الفُنونِ للتَّسَاؤُلِ: عنْ مَاهيَّته والبُغْيَةِ مِنهُ، وجَعلهم يُقدِّمون تفَسيراتٍ له، ويَجتهدُون فِي وَضْع حدٍّ فَاصِلٍ واضِحٍ للتَّفريق بينَ المُتقدِّمين والمُتأخِّرين منَ أُولِي العِلْمِ.

منْ يَتَفحَّصُ فِي عَمَلِهم هذَا يَلفِي خِلافًا بَيِّنًا بينَهم فِي تَحْدِيدِ ذَلك، إلاَّ أنَّ الشَّيءَ المُصْطَلَح عَلَيْه إجْمَالاً هُنا شَيْئَانِ:

  • الأوَّل: هو أنَّ بَثَّ هذَا المُصطَلحِ يَتنَاغَمُ معَ الدَّلاَلةِ اللُّغويِّة لهَذيْن المُصطَلحيْن؛ فالمُتقدّم فِي اللُّغة منْ يَدلِفُ على الآخرين حسيًّا ومعنويًّا إلَى السَّبقِ، والمُتأخِّر عكسُه[1].
  • الثَّاني: أنَّ الخِلاَف حَول الهوَّة الزَّمنيِّة بين المُتقدِّمينَ والمُتأخِّرين تَكَاد تَتطَوَّقُ فِي القَرنيْن الثَّالثِ والرَّابع الهَجريَّيْن؛ إذْ ذَهبَ فَريقٌ إلَى أنَّ الحدَّ الفَاصلَ هُو القَرنُ الثَّالثُ، فَمن كانَ قَبْلَه فَهو فِي عِدادِ المُتقدِّمين، ومنْ كانَ بعدَه فَهو منَ المُتأخّرِينَ[2].

 وذَهبَ آخرُون –وهمْ كُثرٌ – إلَى أنَّ الحدَّ الفَاصِلَ هَو القَرْنُ الرَّابعُ، فَمن كَان بَعدَه فهَو فِي فُسْطَاطِ المُتأخِّرينَ[3].

  1. مُصطَلحُ المُتقدِّمين والمُتأخّرين عندَ الشَّاطبيِّ:

فِي علْمِ الفِقهِ:

أُشِيعَ منْ نَهجِ الشَّاطبيِّ فِي طَريقِ تَفَقّهِه أنَّه كانَ لاَ يَنْهلُ الفِقهَ إلاَّ منْ مُدَوَّنَاتِ المُتقدِّمينَ، وكانَ لاَ يَبْتَغِي لأَحَدٍ أنْ يَتَملَّى فِي مُصَنَّفَات الفُقهَاء المُتأخِّرين، وقدْ أكَّدَ هذَا فِي مُقدِّمةَ مُصَنَّفِه: (المُواَفقاتُ)، فنبَّه إلى أنَّ منِ ابْتَغَى أنْ يُفْتَح عليه العلمُ علَى وَجه التَّحقيقِ؛ فَعلْيه بِتَتبُّع مُصَنَّفات الأسْلاَفِ منْ أهلِ العِلم المُرادِ، فإنَّهم أكْثَرُ قُدْرَةً به منْ غيَرهم من المُتأخِّرين، وأصلُ ذَلك التَّجربة والخَبر[4].

وقدْ بيَّن لنَا الشَّاطبيُّ مُرادَه منْ مُصْطَلح المُتقدِّمِين والمُتأخِّرين فيمَا يَتعلُّق بعِلْم الفِقْهِ، وذَلك فِي قَولِه: “وأمَّا مَا ذَكرتُ لَكم منْ عدَمِ اعْتمَادِي علَى التّآليفِ المُتأخِّرَة، فلمْ يكنْ ذَلك منِّي بحَمْد الله مَحْضَ رَأيٍ، ولكن اعْتمَدتُه بِسبب الخِبرة عنَد النَّظر فِي كُتب المُتقدِّمين معَ كُتب المُتأخِّرين، وأعْنِي بالمُتأخِّرين كابْن بَشير[5]، وابْن شَاس[6]، وابنِ الحَاجب، ومنْ بَعدهم[7].

فِي علْم العربيَّة:

اِقْتَفَى الشَّاطِبيُّ في علمِ العَربِيَّة أَثرَ أسْلاَفِه الذي قرَّرَهُ منْ عَدَمِ اعْتِمَادِ كُتُبِ المُتأخِّرِينَ وقوَاعدِهم وأصُولِهم التِي تُقَاطِعُ مَا اعْتمَدَه المُتقدِّمُونَ منَ النُّحَّاة منْ قَواعدَ وأصولٍ، فهو يقدِّمُ النُّحَّاةَ الأكْثَرَ انْتِحَاءً علَى غَيرهِم منَ المُتأخِّرِينَ، لأنَّ هَؤلاء المُتقدِّمين أنْحَى بعلمِ العَربيَّة وأصُولِها ومَقاصدِ العَرب فِي كَلامِهَا منَ المُتأخِّرِينَ، وذَلك لأنَّهم شَافهُوا العربَ، وفَطِنوا بمَقاصِدها[8].

وهذَا مَا لمْ يَتسَنَ للمُتأخِّرين منَ النُّحَّاةِ، ولذَلك يَصِفُ الشَّاطبيُّ المُتقدِّمين كَونُهم المُتحقِّقين بكَلام العَربِ[9]، وفِي مُقابِل ذَلك يَعتِبُ علَى المُتأخِّرين عدَمَ أَوبَتِهِم إِلَى الأصُولِ التي قَرَّرَها المُتقدِّمون، فقَالَ: “وكثيرًا مَا تَجِد ابْنَ مَالكٍ وغيْرَه منَ المُتأَخِّرِينَ يَعتمدُون علَى أشْياءَ لا يَعتمدُ علَى مِثلِها المُتقدِّمُون الذِين لاَبسُوا العَربَ، وعَرفُوا مَقاصِدهَا”[10].

لذَا فالنَّاظر في كِتابِ المَقاصِدِ الشّافيَّةِ لأَبِي إسْحَاقٍ الشَّاطِبِيِّ يَرَى بِوُضُوحٍ عَدمَ أوْبَتِه إلَى مُدَوَّنَاتِ مُتأخِّري النَّحويِّين، وعَدمَ الاسْتِنادِ إِلَى أقْواَلِهم، إلاَّ منْ وَسمَهم ب: الحُذَّاق، وهَؤلاَء أيضًا لمْ يُسْهِبْ فِي الرُّجوع إلَى كُتبِهم وأقوالِهم إذَا وَازَنَّا ذَلِك بِرُجُوعِه إلى كتُبِ المُتقدّمين وأقوَالِهم.

وقَدْ رجعَ الشَّاطِبيُّ إلَى كُتبِ هَؤلاء الذِين سَمَّاهُم بالحُذَّاقِ، لأنَّهم تَعقَّبُوا أثَرَ المُتقدِّمين فِي القَواعدِ والأصُول، ويَنْقَشِعُ ذَلك من قَولِه: “هَا هُنا قَاعدةٌ هي منَ المُتقدِّمين علَى بالٍ، ويَغفلهُا أكثرُ المُتأخِّرين إلاَّ منْ فهِم مَقاصدَ المُتقدِّمين وحذَا حَذْوَهم”[11].

ومنْ هؤَلاء الحُذَّاقِ الذِينَ اهْتَمَّ الشَّاطبيُّ بكلَامِهِم ابْنُ الضَّائع[12].

فمِمَّا سَلفَ منْ كلَاَمِ الشَّاطبيِّ إنَّما هو تَجْلِيَّةُ الفَرْقِ بينَ المُتقدِّمِينِ و المُتأخِّرين مِنْ جِهة الرُّتبة والمَكانة العلميَّة، أمَّا عنِ الفَاصل الزَّمنيِّ بينَهمَا، فمنْ خِلال تَتبّع مُصَطلحيْ المتقدّمين والمتأخّرين فِي المَقاصد الشّافيَّة، فإننَّا نَجدُ الشَّاطبيَّ يُطلقُ مُصطَلحَ المتقدّمِين علَى جمَاعةٍ من النّحويِّين منْهم: سيبويهُ ( ت 180 ه )[13]، والفرَّاءُ (ت 207 ه)[14] ،والمبرّد(ت 275 ه) ([15])، وابنُ السِّراج (ت 316)[16]، والزّجاجي (ت 340 ه)[17] ، والسّيرافي (ت368 ه)[18]، وابنُ جني (ت 392 ه)[19].

وأُطلق مصطَلح المتأخّرين على جماعةٍ منهم: الجزوليّ (ت 607 ه)[20] ، وابنُ خروف (ت 609 ه)[21] ، وأبو علي الشلوبِّين (ت 645 ه)[22]، وابنُ عصفور (ت 669 ه)[23] ، وابنُ مالك (ت 672 ه)[24] ، وابنُ أبي الرَّبيع (ت 644 ه)[25].

والعُمدَةُ منْ كَلاَم الشَّاطبيِّ أنَّ العلماءَ إِلَى نِهَايَاتِ القَرْن الرّابعِ الهِجريِّ هُم فِي: فُسْطَاطِ المُتقدِّمينَ، والعلماءُ من بداية القرن السابع كالجزوليِّ (ت 607 ه)، هم في فُسْطَاطِ المتأخّرين، وهَذا مَا يُعتَمد منْ كَلامِه نَصًّا.

ولَه مُدْخَلاتٌ فِيمَا يتَعلَّقُ بعُلمَاءِ القَرنيْنِ الخَامِسِ والسَّادِسِ، إلاَّ أنّها نِسْبِيَّةٌ، ومَا نَحنُ بصَدِد تَحْرِيرِه لا يُؤْخَذُ منْ طَريقِ الاحْتِمَالِ والظَّنِّ، فَلْنُؤَسِّسْ علَى مَا هُو صَريحُ كلَامِه فَنقُولُ: يَقْصِدُ الشَّاطِبيُّ بالمُتَأخِّرِينَ منَ النُّحَّاةِ ك: الجَزُولِيِّ وابْنِ خَرُوفٍ وأبِي عَلِيٍّ الشَلوبِّينَ ومِنْ بعدِهم، وهَو قَرِيبٌ ممَّا ٱصْطَلح عَليْهِ منْ زَمَن المُتأَخّرينَ من الفُقَهاءِ كمَا مَضى ذِكْرُه.

والغرضُ من تَقسِيم النّحاة إلى متقدّمين ومتأخّرين عِندَ الشاطبيِّ الرُّجوعُ بِعلْم العَربيَّة إلى قواعدِه وأصولِه التي قرّرها مؤسسُو العلمِ وواضعُوه من النُّحاة الأوائِل، والتي غفَل عنها المتأخّرون إلاَّ من تابَع المتقدّمين وحذَا حذوَهم، فالمتقدّمون من النّحاة أقعدُ بصِناعَة العَربيَّةِ منَ مُتأخّرِيهِم، ولهَذا يقرِّرُ الشَّاطِبِيُّ أنَّ منْ أرَادَ الاحْتِياطَ فِي العِلمِ فقْهًا 2- أسسٌ التفكير النحوي عند الشاطبي بناء على مصطلحي المتقدمين والمتأخرين

  هِي بِمثَابَة المُقدّمَاتِ التِي لا يُمْكِن الاسْتِغنَاءُ عنها، بناء على فهم هذين المصطلحين، فهِي أصُولٌ كُليّة انْطَلقَ منهَا الشَّاطبيُّ فِي تَقرِيرِ مبَاحثِ أصُول النَّحو بلْهُ العَربيَّة، فهي إذَنْ مُسَاعِدةٌ علَى ٱمْتِلاَك نَاصيَّة علْمِ أصُولِ النَّحوِ، والوَقُوفِ علَى بنْيَانِه الشَّامِخ.  هَذِه الأسسُ والمُنطَلقَاتُ منَ الضَّروريِّ الذِي لا بُدَّ منه قبْلَ فهْمِ كلَام الشَّاطبيِّ فِي أصُولِ النَّحْو وضَبْطِ مسَائِله وتجليَّاته؛ وقد أسست هذه الأسس بناء على موقف الشاطبي من المتقدمين والمتأخرين.

لقد سنَّ الشاطبيُّ مثلَ هَذه المُنطَلقَاتِ أوِ المُقدّمَات فِي كِتابِه المُوافَقاتُ؛ لأنَّها تُقدِّمُ المَقْصُودَ منَ الْكِتَابِ، ويحتاج إليها النّاظرُ فيه قبلَ الولوجِ إلى مباحِثه، واللاّفتُ للنّظر هو وجودُ تشَابهٍ بَين بَعضِ المقدّمَات التي قدّم بها الشاطبيُّ في كتَابَه الموافقاتُ وما سيُورد منْ الأسسِ والمقدِّمات في أصُول النَّحو من كَلامِه في المَقاصد الشَّافيَّة بناءً على مرجعتيه بين المتقدمين والمتأخرين.

الأساسُ الأوَّل:

  وهو أنَّ مَدَارَ التَّبْصِرَة في علْم العربيّة هو تَعقُّبُ سَنَنِ العَرِبِ في كلامِها وتوَخِّي ما تَوخَّتْه فِيه؛ لأنّ النحوَ كلَّه سَائرٌ على أن نقفوَا أثرَ العربِ فيه، ولذَلِكَ فإنَّ: العربَ هم الحجّة على الجميع[26]، فما اسْتقرَّ أنَّهم ابْتَغَوهُ، فلا َمَنْدُوحَةَ لأَحَدٍ، لسَيبِويْهِ ولغَيْرِه[27].

  ولِذَلك يَتَعيَّنُ علَى النَّحْويِّ المَشْهُودِ لَه بِالاجْتِهَادِ عنْدَ تَوجُّهِهِ إلَى كَلاَمِ الْعرَبِ المتقدمين لاسْتِشْفَافِ القَوانيِن والمَقايِيسِ ألاَّ يَنْسَى هذَه العُمْدَةَ، وهو مُصْطَلَحٌ عَليْهِ، لاَ يُجَادِل فِيه أَحَدٌ، وهَذَا ما حَرَّرَهُ الشَّاطِبيُّ فِي قَولِهِ : “لا يشكُّ أحدٌ في أنَّه يلتزِم في القيَّاس أو في السّماع المحكيِّ ما التزمته العربُ، و علَى هذَا مَبْنَى النَّظَر فِي العَربِيَّة”.[28] فمَا الْتَزمَتْه العَربُ فلاَ يُعْدَل عَنه[29]، ولهَذا يُقَرِّرُ الشَّاطِبيُّ أنَّ عِلمَ النَّحْو إنَّما هو تقريرٌ لكلامِ العرب المتقدِّمين[30].

الأساسُ الثاني:

هو تِالٍ للأسَاسِ الأَوَّلِ، وهُو أنَّ القِيَاسَ في صِنَاعَةِ النّحو مُقْتَفٍ للسَّمَاعِ، لأنّ السّماع هو الإمامُ المتّبع[31] كما قال بذاك المتقدمون من أئمة الصناعة، وهو الأصلُ عنْدَ هؤلاء المتقدمين[32]، والقيَاس إنّما يأتِي ظَهْرَهُ[33]، ولذَلِك يَقُول الشَّاطبيُّ: “القياسُ عنْدَ أهْلِ اللِّسَانِ تَابِعٌ غيرُ مَتْبُوعٍ، أيْ تَابِعٌ للسَّمَاعِ منَ الْعرَبِ، فالسَّمَاعُ هو الحَاكِمُ علَى القِيَاسِ، وليْسَ السَّمَاعُ تَابِعًا للقيَاسِ، فلاَ يَكُونُ القِيَاسُ حَاكِمًا علَى السَّمَاع، ولِذَلِك فإِنَّ: “القيَّاسَ إِذَا خَالفَ السَّماعَ مَرفوضٌ”[34].

  أمَّا الاتِّكَالُ علَى مُجَرَّدِ القيَاسِ دُونَ تَأمُّلٍ فِي سَمَاعِه، فهُو غيرُ مَـأْخُوذٍ بِه مِن لَدُن أَئِمَّة الصِّنَاعَةِ[35]، ولذلك رَدَّ الشَّاطِبِيُّ علَى بعض المتأخّرين من النّحَّاة، لاعْتمادِهم على القيَاس دونَ النَّظَر إلَى السَّمَاع فقَالَ: “وكثيرًا ما تجد ابنَ مالك و غيرَه من المتأخّرين يعتمدون على أشياءَ لا يعتمد على مثلها المتقدّمون الذين لابسوا العربَ، وعرفوا مقاصدَها ٱتِّكالاً على قيَّاس مُجرّد أو علَى حُصُول فَائدةٍ، أو غيرِ ذلك، والصّوابُ الاستنادُ إلى السّماع، ثم النَّظر في قياسِه إن كان، لا العكسُ”[36].

يقول أيضا: “فإن قيل: فهذا يستلزمُ إبطالَ القِياس الذي ٱنْبنى عليه هذا العلمُ”[37]، فإنَّ القياسَ قد يستقلُّ عنِ السَّماع، ويكون دليلاً دونَه، وذلك عند ٱنعدام السَّماع، وهذا ما قرّره النحاةُ، وعبّر عنه الشاطبيُّ بقوله: “فما لم تكلمْ به العرب فمردودٌ إلى القياس”[38].

 يقول أيضا: “قلنا: والقيَاسُ أيضاً في هذه الحالَة غيرُ خارج عن السَّماع، لأنَّ السماعَ إذا فُقد في المَسألة المبحوثة نفسِها، لجأ النحويُّ المجتهد إلى المقاييس المستقرأَة من كلام العرب، فإنْ أجازَت تلك المقاييسُ المسألةَ أُجيزت وإلاَّ فلا[39]، فثبتَ أنّ القياسَ في هَذه الحَالَةِ أيضًا غيَرُ خَارجٍ عنْ مُقْتَضَى السَّمَاعِ عمدة المتقدمين.

الكَلامُ السَّابِقُ يَتمَاهَى مَا أثَارَه الشَّاطِبيُّ في مقدِّمَة المُوَافَقاتِ منْ قَوْلِه: “إذَا تعَاضدَ النَّقلُ والعقلُ علَى المسَائل الشّرعيَّة، فعَلى شَرْطِ أن يتقدّم النّقلُ فَيكونُ متبوعًا، ويتأخَّرُ العقلُ فيكونُ تَابعًا، فلاَ يَسرَحُ العَقلُ في مَجَال النَّظر إلاَّ بقَدْر مَا يَسرحه النَّقلُ”[40].

ثمَّ ذَكر أنَّ هَذا يتضمَّن نفيَ القيَاس الذي اتفق المتقدمون عليه[41]، ولكنّه ردَّ علَى شَاكِلَةِ مَا أتَى به فِي أصُولِ النَّحو، فقالَ: “فليسَ القيَاسُ منْ تَصَرُّفَاتِ العُقُولِ مَحْضًا، وإنَّمَا تصَرَّفت فيه منْ تَحتِ نَظَر الأدلَّة، وعلَى حسَب مَا أَعْطَتْه منْ إِطْلاَقٍ وتَقْييدٍ …فإنَّا إذا دلَّنا الشرعُ على أن إلحاقَ المسكوتِ عنه بالمنصوص عليه المعتبر، وأنَّه من الأمور التي قصدَها الشارعُ … فأين استقلالُ العقل بذلك؟ بَلْ هُو مُهتَدٍ فِيه بالْأَدلَّة الشَّرعيَّة يَجرِي بِمِقْدار مَا أجْرتْه، ويَقف حيثُ وقفتْه”[42].

الأَسَاسُ الثَّالِثُ:

  إنَّ مُهِمَّةَ النَّحويِّ هِي عَقْدُ القَوانين واستخراجُ المَقايِيس منْ كَلاَم المتقدمين، ويُقرِّر لنَا الشَّاطِبيُّ هذَا الأصْلَ فِي قَوله: قصدُ النحويِّ عقدُ القوانين فيما يمكن عقدُها فيه[43]، ولمَّا كانتِ القوانينُ لا تنعقِد إلا من المطّرد، كان شأنُ النحويِّ أن يتكلّم فيما اطّرد، لا فيما خرج عن باب الاطّراد[44]، فالنّحاة إنما يتكلّمون فيما كان مقيسًا من اللغة[45]، وقال في موضع آخرَ: النحويُّ لا يتكلم إلا فيما كان مقيسًا خاصًّا[46].

أما ما لم يكن مطّردا فإنما يتكلم عليه النحويُّ من حيث التوجيهُ أو بالعرض[47]، وأما كلام النحوي في غير هاتيْن الجهتيْن، هو الإخبار بأنّ هذا الشاذَّ غيرُ مطرد قد نقل، فهذا ليس من شأن النحويِّ من حيث هو نحويٌّ[48])، إنما هو من شأن اللُّغوي، ولذلك يقول الشاطبيُّ: “الإخبار عن الشّذوذات بأنَّها قبلت نقلاً كما جاءَت لا محصول تحته بالنّسبة إلى صَنعة النحويين أهلِ القياس”[49].

النَّقلُ الصَّرِيحُ لَه أصْحَابُه، وهُم المتقدمون أهْلُ اللُّغَة، وأمَّا التَّمَعَنُ في النَّقل والتَّدَبر فيه فَهي صِناعة أخرى وهي صِناعة النحو[50]، ومنْ تَعرّض من النُّحَّاة إلَى نَقل الشَّاذ فَهم فِي ذِكر ذلك لُغَويُّون لا نَحوِيُّونَ[51].

الأسَاس الرابع:

  هُنَاكَ فِي عِلْمِ النَّحْو مَا هُو منْ أسَاسِيَّات العِلْمِ الضَّرُوريَّة، ومِنه مَا هُو منْ مُلحِه، أي لَيس ضَرُوريًّا ولا تَصلُ الضَّرُورَة بِه إلَى الآكِدِ، فأمَّا الأوَّل وهُو ما كانَ منْ صُلْبِ العِلْمِ، وهُو المَطْلُوبُ منَ العِلم بالضَّرُوَرة والمَقْصِدُ من العِلْم فِي الأَسَاس فَهو كلُّ مَا يَنْتَهِي إِلَى الوُقُوفِ علَى مَأْلُوفِ كَلاَمِ العَرب، بمَا يَجْعَلُنا مُتَابِعين لهَا في كَلامِها[52].

فهَذا الضَّربُ هو مَبْعَثُ نَظر المتقدمين المجتهدين فِي النَّحو، وعَليه أن يَبذل كلَّ الجُهد لتَقْرِيرهِ والاسْتِدْلاَل لَه.

 وأمَّا الثَّانِي، فَهو مَا لَيس من أسَاسِيَّاتِ العِلْم، وإنَّما هُو منْ الأشْيَاء التِي تَسْتَدعِي إكْمَالَها وإِتْمَامَها، وهو مَا لاَ يُقَرِّبُ إلَى التَّأمُّل إزَّاءَ مَعهُود العَربِ في نُطْقِها، وإنَّمَا هُو لِفَهم بَعضِ الأمُورِ الاصْطِلاَحِيَّة فِي الصِّنَاعَة النَّحْوِيَّة، لاَ تُؤثِّر فِي الأحْكَامِ الَّلفظِيَّة، فهَذا النوَّع لاَ يَنْبَغِي للنَّحوِيِّ المُجْتهد أن يتوسع في تقريره بل يكتفي بالإشارة إليه، لأن في التوسع فيه تزيدا يخرج عن المقصود الأصلي للعلم، وهذا وظيفة المتأخرين من النحويين.

وهذا الضَّرْبُ يَنْجَلِي فِي الْقَضَايَا الخِلاَفِيَّة التِي لاَ يَنْبَنِي عَليْهَا حُكمٌ لَفْظِيٌّ، إذْ قَضَايَا الخلِاَف علَى نَاحِيَّتَيْن: نَاحِيَّةٌ يتأَسَّسُ علَى الخِلاَفِ فِيه حُكْمٌ مِنَ الأحْكَامِ الكَلَامِيَّة، ونَاحيَّةٌ لا يَتَأسَّسُ عَليْهَا إلاَّ أمْرٌ اصْطِلاَحِيٌّ وتَحْقِيقٌ صِنَاعِيٌّ لاَ غَيْرُ[53].

ومِثَالُ ذَلِكَ قَضِيَّةُ العَامِل فِي المُبْتَدَأ والْخَبَر، فَقَضِيَّة الابْتِدَاءِ وعَملِه فِي المُبْتدَأ وَحْدَه، أو فِي المُبْتَدأ والْخَبرِ، أو عَدم ذَلك قَضِيَّةٌ لاَ تتَأَسَّسُ عَليْهَا فَائِدةٌ كَلاَمِيَّة. فَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ كُلِّه وتَحْرِيرُ الْأَوْرَاقِ به لاَ يجْدي فِي المَقْصُودِ منْ عِلْمِ النَّحو مَزِيدًا، فَالأَوْلَى فِيهَا وفي أمْثَالِها تَرْك الاشْتِغَالِ بالرَّد والتَّرْجِيحِ[54]، لأَنَّ الخِلافَ فِيهَا يَرْجِعُ إلَى تَحقيقٍ اصْطِلاَحِيٍّ لا يَنْبنِي عَليْه في التَّفريِع فَائِدةٌ[55].

وكَذَلِكَ الخِلاَفُ فِي تَاء التَّأنِيثِ والهَاء المُبْدَلة مِنهَا حَال الوَقْفِ، أيُّهمَا أصْلٌ لِلْأخْرَى، فَالخُطب فِي المَسْألة يَسِيرٌ، إذْ لَيْسَ بِاخْتِلاَفٍ فِي حُكْم يُبْنَى عَلَيْه فِي الْكَلاَم شَيءٍ[56].

  وقَدْ شَدَّد الشَّاطِبيُّ علَى ذَلكَ أيْضًا فِي الْمُوَافَقاتِ[57] فَقالَ: “والمَسَائل التِي يُخْتَلَفُ فِيهَا، فَلاَ يَنْبَنِي علَى الاخْتِلَاف فِيهَا فَرعٌ عَملِيٌّ ، إنَّما تُعدُّ منَ المُلَحِ … ويَقَع مِنْهَا فِي  سَائِرِ العُلُومِ، وفِي العَرَبِيَّة مِنْهَا كَثِيرٌ، كَمسْأَلة اشْتِقَاق الْفِعل منَ المَصْدَر، ومَسْألَة: اللَّهمَّ، ومَسْأَلة: الأصْل فِي لَفْظ الاسْمِ، وإِنِ انْبَنَى البَحْثُ فِيهَا علَى أصُولٍ مُطَّرِدَةٍ، ولَكِنَّهَا لاَ فَائِدَة تُجْنَى ثَمرَة لِلاخْتِلاَف فِيها فَهي خَارِجَةٌ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ”.

ولَا يَغْفَل الشَّاطِبِيُّ أنْ يُومِئُ إِلَى أنَّ هَذا الأصْلَ الذِي قرَّرَه إنَّما هُو الذِي تَصِلُ إِليْهِ أعْيُنُ الرَّاسِخِين منَ النُّحَّاة، إذْ قَالَ:

“وحُذَّاقُ الصِّنَاعَة إِنَّمَا يتَكلَّفُونَ الْبَحثَ فِيمَا يَنْبنِي عَليْه حُكمٌ، ومَا عَدَاه فَهُم فِيه مَا بَيْنَ تَاركٍ لهُ رَأْسًا، ونَاظِرٍ فِيه اتِّبَاعًا لِمَنْ تَقدَّم لهُ فِيه نَظَرٌ، إذِ الْخُرُوج عنِ المُعْتَاد مُنَفِّرٌ”[58].

الأسَاسُ الخَامِسُ:

  منَ الثَّابِتُ والمَعْلُومِ أنَّ عُلومَ الشَّرِيعة عُلومٌ تَتعَاضَدُ فِيمَا بَيْنَهَا، ويَحْتَاجُ بَعْضُهَا إلىَ بَعْضٍ، فَقدْ يَسْتَدعِي صَاحِبُ فَنٍ شَيْئًا منْ فَنٍّ آخَرَ لِيَبْنِيَ عَلَيْه، فِي فَنِّه كَالْفَقِيهِ يَبْنِي فِقْهَهُ علَى مَسْأَلة نَحْوِيَّةٍ مَثَلاً[59].

وهُنَا يُلفِتُ الشَّاطِبِيُّ إلَى أنَّ العَالِمَ فِي فَنٍّ إذَا أخَذ منْ عِلْمٍ آخَرَ مَا يُشَيِّد بِه عِلْمَه، فعَلَيْه أنْ يَقْتَبِس هَذا الذِي يَبنِي عَليْه مُسَلَّمًا من المتقدمين، مَفرُوغاً مِنه، فَلا يَقُومُ بِتَقرِيرِه كمَا يُقَرِّرُه صَاحِبُه فِي فَنِّه، مِنْ جِهَة تَصْحِيحِه، وضَبْطِه، والاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ. وقَد سَاقَ الشَّاطِبِيُّ علَى هَذَا الأَصْلِ مِثَاِليْن فِي المَقَاصِد الشَّافِيَّةِ:

الأَوَّلُ: عِندَ كلَاَمِه عَنْ تَقْدِيرِ التَّاء فِي الْأَسْمَاءِ المُؤَنَّثَةِ التِي ليسَ فِيهَا تَاءٌ، وَأنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِأَشْيَاءَ يظهَرُ بِهَا، وَيَتَبَيَّن أنَّهَا مُؤَنَّثَاتٌ لاَ مُذَكَّرَاتٌ علَى ظَاهِر لَفْظِهَا. فَبَعْد أنْ ذَكر أنَّ ذَلك يَكُون بِعَوْدِ الضَّمِير المُؤَنَّثِ عَليْهَا، أوْ بالتَّصْغِير فَتُعَاد التَّاءُ فِيها، وشَدَّدَ علَى أنَّ ذَلِك ثَانٍ عَن مَعْرِفَة اللَّفْظِ مُؤنَّثًا، وهذَا مِن وَظِيفَة اللُّغَويِّ، ويَأخُذهَا النَّحوِيُّ مِنه مُسَلَّمةً فقَالَ: “وإذَا حصَل ذَلك فِي الأسْمَاءِ منَ الاسْتِقرَاء عاَمَلْنَاه بَعد إذَا احْتَجْنَا إِلَى الإخْبَار عَنْهَا، أَوْ إِعَادَة الضَّمِير عَليْهَا، أَو غَيرِ ذَلك مُعَاملةَ المُؤنَّث ،و هَذِه فَائِدةٌ أُثِيرَتْ ذَلِك فِي كُتبِ النَّحوِ، وإِلاَّ فَالتَّعرِيف بِتَذكِير المُذَكَّر، وتَأنِيثِ المُؤَنَّث منْ وَظِيفَة اللُّغَويِّ، حتَّى يَأخُذهَا مِنهُ النَّحوِيُّ مُسَلَّمةً[60]، و لِذَلِك يَقولُ الشَّاطِبيُّ :” كَلامُ النَّحويِّ فِي اللُّغَة خُروجٌ مِنه عَن صِنَاعَتِه إِلَى مَا ليسَ مِنْهَا ، و هَو فِي المُخَاطَبَة التَّعلِيميَّة غَير صَوابٍ”[61].

الثَّانِي: أنَّ مِن مَهامِّ النَّحويِّ أنْ يُبَيَّن مَواضِعَ الْحَذِف الجَائِزَة فِي كَلاَم الْعَرب، فَيأخُذَها البَيانِيُّ مِنه مُسَلَّمةً، فَيْبنِي علَى كَلاَمِ النَّحويِّ مَا يَخصُّ صِنَاعَتَه، وهَو الكَلاَمُ علَى مقَاصِد الْحَذْفِ، لأَنَّ كلاَمَ النَّحويِّينَ ونظرَهم إنَّما هُو فِي أَصْلِ الوَضْعِ، وأمَّا البيَانِيُّ فيَنظُر فِي مقَاصِد الْحَذْفِ بعدَ تَسْلِيم نَظرِ النَّحويِّ[62].

ومنْ ثَمَّ وَجَدْنَا الشَّاطِبيَّ وهُو يَتحدَّث عَن مَسَائِلَ فِي أُصُولِ النَّحْوِ هِي قَائِمَةٌ علَى عِلمٍ آخرَ، فإِنَّه يَدلُّ علَى هذَا العِلْمِ، معَ أَخْذِ مَا أَرَادَه مُقَرَّرًا دُونَ إِعَادَة طَرْحِهَا مَرَّة أُخْرَى كمَا هِي فِي فَنِّهَا. ومنْ ذَلك: رَدُّ الشَّاطبيِّ علَى ابْنِ جِنيٍّ فِي إجَازَته خَرْمَ إجْمَاع النُّحَّاةِ، إِذ يرَى الشَّاطِبيُّ أنَّ إجْمَاع النُّحَّاة إجْمَاعٌ نَحوِيٌّ، وقَد قَامتِ الأدَلَّة الشَّرعيَّة علَى عِصْمَة الإجْمَاعِ فِي الجُمْلَة، والذِي قَام بِتقْرِيرِ ذَلِك هُم عُلمَاء الأصُولِ، ولِهذَا أحَال عَليهُم فِي تَقريرِ المَسْأَلة، فقَالَ: “الإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ علَى الجُمْلَةِ، قَامَتْ بِذَلِك الدَّلَائِلُ الشَّرعيَّةُ علَى مَا تَقرَّر فِي الأصُولِ[63].

ومنْ ذَلِك أيضًا اصْطِلاَحُ الشَّاطِبيِّ أنَّ منْ بلَغ رُتبْةَ الاجْتِهَاد فِي النَّحْوِ فَإِنَّه لاَ يُسَوَّغُ لَه اتِّبَاعُ غَيرِه، وأحَال فِي ذَلك علَى الأصُولِيِّين إذْ هَذا مِن فَنِّهم، وقَد تَقرَّر فِي عِلْمِهِم فَقالَ عنِ اجْتهَادِ ابْنِ مَالِكٍ وعَدم تَقْلِيد غَيْرهِ :” اِبْنُ مَالِكٍ بنَى هذَا العِلم علَى الاجْتِهَادِ، ولَمْ يُخْلِد فِيهِ إِلَى حَضِيضِ التَّقْلِيدِ ، فتَراَه مُوَافِقًا الكُوفِيِّين ، حَربًا علَى البَصْرِييِّن تَارةً ، وتَارةً مُوَافِقًا للِبَصْرِيِّين مُخَالِفًا لِمنْ عَادَاهُم ، فِعْل المُجْتَهِدِين المُبَرَّزِّين، وهُو الوَاجِبُ علَى مَنْ بَلَغ رُتْبَة الاجْتِهَاد، لامْتِنَاع التَّقْلِيدِ عَليْه عِندَ جُمْهُور الأُصُولِيِّينَ”[64].

ولِذَلك أخَذ الشَّاطِبيُّ علَى ابْنِ مَالِكٍ وغَيْرِه مِنَ المُتَأخِّرِينَ إِدْخَالهُم مسَائلَ هِي مِنْ عِلْمِ البَيَانِ فِي كُتبِهِم النَّحويَّة فقَال: ولَقد أَدْخَل المُتَأخِّرُون _ ومِنهُم ابْن مَالك _ أشْياءَ عِلْم البَيَانِ أخَصُّ بالنَّظَر فِيها منْ عِلم النَّحو … وكَان الأَوْلَى ألاَّ يَفْعلَ ذَلِكَ[65].

وَيُقَرِّرُ الشَّاطِبِيُّ لِذَلكَ أنَّ المُتَكلِّمَ فِي عِلْمٍ لاَ يَنْتَقِلُ إِلىَ الكلَاَم فِي عِلْمٍ آخَرَ فِي أثْنَاءِ كَلاَمِه فِي العِلْمِ الذِي هُو بِصَدَد تَقْرِيرِه _ إلاَّ لِضَرُورَةٍ[66] لأَنَّ ذَلِك تَخْلِيطٌ لِبَعْضِ العُلُومِ بِبَعْضٍ، وهَو مَمْنُوعٌ[67].

لأَسَاسُ السَّادِسُ:

 المُتَقَدِّمُونَ مِنَ العُلمَاءِ، فِي كُلِّ عِلْمٍ عَملِيٍّ أوْ نَظَرِيٍّ أَقْعَدُ بِه مِنْ غَيْرِهِم مِنَ المُتَأخِّرِين، ثَبتَ ذَلِك بِالتَّجْربَة وَالمُشَاهَدة ، والدَّلِيل الشَّرْعِيِّ[68] فمَنْ أرَادَ الاحْتِيَاطَ فِي العِلْمِ فَلْيَعْتَمدْ أصُولَهم وَقَوَاعِدَهُم[69] ولمَّا كَانَتْ  أصُولُ المُتَقَدِّمينَ مِن النُّحاةِ مُنضَبطَةً ومُطَّردَةً وذَلؤك لأنَّهُم شَافهُوا العَربَ وعَرفُوا مقَاصِدَها معَ الاطِّلاَع علَى القَرائِنِ ومُقْتضيَاتِ الأَحْوالِ التِي لاَ يقُومُ غَيرُها مقَامَها[70] ردَّ الشَّاطبِيُّ علَى المُتَأخِّرينَ منَ النُّحَّاة لاعْتِمَادِهِم علَى أُصُولٍ لاَ يَعْتمِدُ عَليْهَا المُتَقدِّمُون فقَالَ: َوكَثِيرًا مَا تَجدُ ابْنَ مَالكٍ وغَيْرَه مِنَ المُتَأخِّرينَ يَعْتمِدُ علَى مِثْلِهَا المُتَقدِّمُونَ الِذينَ لَابَسُوا العَربَ وعَرفُوا مقَاصِدَها اتِّكَالاً علَى قيَّاس مُجرَّد أو حُصولِ فاَئدَة أوْ غَير ذَلِك[71].

وقَالَ أيْضًا: “هَا هُنَا قَاعِدَةٌ هي منَ المُتقَدِّمينَ علَى بَالٍ، ويَغْفلهَا أكْثرُ المُتَأخِّرينَ إلاَّ مَنْ فَهِم مَقاصِدَ المُتَقدِّمِينَ و حَذَا حَذْوهُم، وذَلِك أنَّ إِثْباتَ السَّمَاع مِن حَيثُ إِنَّه سُمؤع أو نَفْي السَّمَاع مِن حَيثُ لمْ يَبلغِ النَّافِي ذَلك سَهلٌ يَسِيرٌ، لأَنَّه نَقلٌ و إِخْبَارٌ عَنْ أمْرٍ مَحْسُوسٍ لا يُنكِره عاَقِلٌ، وأمَّا إثْبَاتُه أو نَفيُه مِن جِهَة مَا يُقَاسُ أو لاَ يُقَاس فَليْسَ منَ السَّهلِ ولاَ بِاليَسِيرِ “[72].

ولمَّا كَان المُتَقدِّمُون علَى هَذِه الرُّتبَة العَاليَّة، رأَى الشَّاطِبيُّ أنَّ ذَلكَ هُو الذِي جعَل الحُذَّاق – أيْ منَ النُّحاةِ – يَعْتَنُونَ بِقَواعِد المُتَقدِّمينَ، ويَتحَامَوْنَ الاعْتِراضَ عَليْهَا، بَل يُقَلِّدُونَ نَقْلَهُم وقياسهم يَحْتَجُّون لَهم مَا اسْتَطَاعُوا … فَيَظُنُّ الشَّادِي فِي النَّحوِ أنَّ ذَلِك مِنْ بَابِ التَّعَصُّب لِلمَذْهَبِ، وَلَيْسَ كَذَلكَ[73]، كانَ أو عَربيَّةً أو غَيْرهما فليعتمدْ أصُولَ المُتَقدِّمينَ وقَواعِدَهُم[74].

نتائج الورقة:

ننتهي من هذا العمل بخلاصة مؤداها: إن أبا إسحاق الشاطبي بجَّل المتقدمين الأوائل الذين اشتغلوا بعلم النحو، أصوله وفروعه، فهم عنده ساسة هذا العلم وعرفاؤه، وما على المتأخرين تبعا لذاك إلا اتباعهم، وقفو أثرهم، واتباع منهجهم؛ لأنهم لامسوا السليقة العربية، واقتربوا من بطون العرب، فكانوا أحق بالاتباع والاستنان.

المصادر والمراجع:

  1. التنبكتي، أحمد بابا، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، عناية وتقديم الدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة      منشورات دار الكتاب طرابلس، الطبعة الثانية، سنة 2000.
  2. الجوهري، أبو النصر، تاج اللغة وصحاح العربية: أحمد عبد الغفور عطار – الناشر: دار العلم للملايين – بيروت-الطبعة: الرابعة 1987.
  3. الشاطبي، أبو إسحاق، الاعتصام، تح: مشهور حسن سلمان، مكتبة التوحيد.
  4. الشاطبي، أبو إسحاق، الإفادات والإنشادات، تح: محمد أبو الأجفان، ط:1، مؤسسة الرسالة بيروت، لبنان 1983.
  5. الشاطبي، إبو إسحاق، فتاوى الإمام الشاطبي، تح: محمد أبو الأجفان، ط: 2، الطبعة التونسية، تونس، 1985.
  6. الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، تح: مشهور سلمان، (ط:1)، دار ابن عفان 1997.
  7. الشاطبي، أبو إسحاق، المقاصد الشافية الشافية في شرح خلاصة الكافية، تح: جماعة من العلماء، ط:1، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، السعودية2007.
  8. الشاطبي، أبو إسحاق، شرح الشاطبي لألفية ابن مالك المسمى (المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية)، تح: أحمد عثمان، )ط:1) دار الكتب العلمية، بيروت 2012.

الهوامش


[1] ينظر الصحاح : تاج اللغة و صحاح العربية للجوهري ( 5 / 2006 ) باب الميم ، فصل القاف ، ولسان العرب لابن منظور ( 12 / 468 ) مادة ق د م ، و كتاب التعريفات للشريف الجرجاني ص 200 و 201  بتصرف .

[2] ينظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي ( 1 / 4 ) ص  بتصرف162.

[3] يرجى مراجعة الفتاوى الفقهية الكبرى لان حجر الهيتمي ( 3 / 63 )  .

[4] الموافقات ص ( 1 / 148 )   .

[5] أبو الطاهر إبراهيم بن بشير التنوخي المالكي ، كان متقنا حافظا للمذهب ، من المرتفعين عن درجة التقليد إلى رتبة الاختيار و الترجيح إمام في أصول الفقه و العربية و الحديث لا يعرف تاريخ وفاته ، من تآليفه التنبيه أكمله سنة 526 ه . راجع الديباج المذهب في معرفة أعيان  علماء المذهب  لابن فرحون ( 1 /  265 ) .

[6] أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس الجذامي السعدي الفقيه المالكي المصري كان متقنا للمذهب له الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة توفي سنة 610 ه . راجع الديباج المذهب ( 1 / 443 ) .

[7]انظر في هذا الصدد : المعيار المعرب و الجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية و الأندلس و المغرب للونشريسي ( 11 / 141 ) و نيل الابتهاج ص 52.

[8] المقاصد الشافية ص (5 /214 )  .

[9] المقاصد الشافية ص (4/493 )  بتصرف .

([10]) المقاصد الشافية ص (5 /20)  .

([11]) المقاصد الشافية ص (4/492)  .

([12]) المقاصد الشافية ص (7 /493 ) ( 1 / 534 ) ( 2 / 20 ) ( 5 / 477 ) و غيرها   .

([13]) المقاصد الشافية ص (2 /599)  .

([14]) المقاصد الشافية ص (1 /40)  .

([15]) المقاصد الشافية ص (4/552)  .

([16]) المقاصد الشافية ص (2 /67 )  .

([17]) المقاصد الشافية ص (4 /552)  ( 8 / 478 )  .

([18]) المقاصد الشافية ص (1/620)  .

([19]) المقاصد الشافية ص (4/275 )  .

([20]) المقاصد الشافية ص (4 /552 ).

([21]) المقاصد الشافية ص (2 /37 و 106 )، ( 6 / 78 ).

([22]) المقاصد الشافية ص (5 /20 و 246 ).

([23]) المقاصد الشافية ص (2/37 و 106 ) ( 3 / 31 )، ( 7 / 464 ).

([24]) المقاصد الشافية ص (2/8) ( 3 / 59، 272 )

([25]) المقاصد الشافية ص (5 /214 ).

([26]) المقاصد الشافية ص (4 /622 ).

([27]) المقاصد الشافية ص (8 /53)  بتصرف  .

([28]) المقاصد الشافية ص (3/456 )، ( 4 / 129 ).

([29]) المقاصد الشافية ص (3 /198 ).

([30]) المقاصد الشافية ص (1/103 )  بتصرف  .

([31]) المقاصد الشافية ص (3 /452).

([32]) المقاصد الشافية ص (3 /557 ).

([33]) المقاصد الشافية ص (4 /38 ).

([34]) المقاصد الشافية ص (3 /401).

([35]) المقاصد الشافية ص (3/25 )  بتصرف.

([36]) المقاصد الشافية ص (5/20 ).

([37]) المقاصد الشافية ص (2/154 ).

([38]) المقاصد الشافية ص (3/177 ).

([39]) المقاصد الشافية ص (1/19، 20 ).

([40]) الموافقات ( 1 / 125 ).

([41]) الموافقات (1/131 )   بتصرف.

([42]) الموافقت  (1/133 ).

([43]) المقاصد الشافية ص (4/438).

([44]) المقاصد الشافية ص (7/434).

([45]) المقاصد الشافية ص (6/403 )  بتصرف.

([46]) المقاصد الشافية ص (1/171).

([47]) المقاصد الشافية ص (9/377)  بتصرف.

([48]) المقاصد الشافية ص (9/424 )   بتصرف.

([49]) المقاصد الشافية ص (9/589).

([50]) المقاصد الشافية ص (4/494).

([51]) المقاصد الشافية ص (7/435).

([52]) المقاصد الشافية ص (1/19 ).

([53]) المقاصد الشافية ص (2/20 ).

([54]) المقاصد الشافية ص (2/21 ).

([55]) المقاصد الشافية ص (1/615).

([56]) المقاصد الشافية ص (6/347 ).

([57]) المقاصد الشافية ص (1/115 ; 116).

([58]) المقاصد الشافية ص (4/447 ).

([59]) الموافقات  (1/123 ).

([60]) المقاصد الشافية ص (6/353).

([61]) المقاصد الشافية ص (1/405 ).

([62]) المقاصد الشافية ص (3/159 ).

([63]) المقاصد الشافية ص (9/139 ).

([64]) المقاصد الشافية ص (2/171 ).

([65]) المقاصد الشافية ص (5/246).

([66]) المقاصد الشافية ص ( 1 / 154 )   بتصرف.

([67]) المقاصد الشافية ص (3/573)  بتصرف.

([68]) الموافقات (1/ 147).

([69]) الموافقات  (1/153).

([70]) الموافقات (4/493 )  بتصرف.

([71]) المقاصد الشافية ص (5/20 ).

([72]) المقاصد الشافية ص (4/492).

([73]) المقاصد الشافية ص (4/494 )  .

([74]) المقاصد الشافية ص (5 /20)  بتصرف  .