الأبعاد في الشعر العربي في كيرالا 

د. محمد أنظر  

بالبحث والتنقيب عن الشعر والشعراء في كيرالا في اللغة العربية يجد الدارس أن هذا الفن ترعرع وازدهر في هذه التربة الخصبة قبل خمسة قرون و إنها أنجبت كثيرا من الأدباء والشعراء الذين ذاع صيتهم في البلاد العربية والعجمية.ويناسب لي القول في هذا المقامبأن الشعراء الإسلاميين في شمال الهند عندما نظموا أشعارهم في اللغة الأردوية والفارسية، فإن العلماء في كيرالا اختاروا اللغة العربية وسيلة لتعبير أفكارهم وعواطفهم وطموحاتهم أمام المجتمع. وهذا يدل على شغف أهل كيرالا باللغة العربية، وعلى أن هذه اللغة كانت متداولة وسائدة في جميع ميادين الحياة يستخدمها الناس في حياتهم اليومية،وعلى أن مؤلفات أدباء كيرالا الشعرية تحتل مكانا لا يستهان به من الكتب المقيدة في أسلوب النثر في شتى الموضوعات عبر القرون الماضية.والجدير بالذكر أن شعراء كيرالاقرضواأشعارهم في جميع الأوزان الخليلية من طويل وبسيط ورمل ووافر وما إلى ذلك. كما نظموا قصائد عربية في البحور والألحان المحلية.

أوائل الشعراء:

يقول الدكتور ويران محي الدين الفاروقي: “شعراء كيرالا المسلمون قرضوا الأشعار قديما لذكر حوادثهم اليومية ولتقييد علومهم الدينية في العربية وفي عربي مليالم. ولكنه لم يصل إلينا شيء منها حتى إلى القرن الخامس عشر للميلاد. والشعر العربي وتاريخه قبل ذلك العصر لا يزالان مستورين، ويظل على خفاء لعدم المراجع المعتمدة، وأن المسلمين في العصور الأولى كانوا قليلين، وأن الأدب في أي لغة كان إنما يزدهر في القصر وفي مرابع الملوك والأمراء”.استهل الشعر العربي في كيرالا بجهود القاضي أبو بكر بن رمضان الشالياتي (م سنة 885هـ / 1480م) و زين الدين بن علي المعبري (م 928هـ / 1521م)، والقاضي محمد بن عبد العزيز (م 1025هـ / 1616م) و إنتاجاتهم الشعرية. وفي جميع أشعار هؤلاء الثلاثة من أوائل الشعراء في كيرالا مسحة دينية وثيقة وعاطفة اجتماعية عميقة، كما أن فيها أيضا حب الوطن الأم التي يسكنون في حضنها.(1)

شعراء عصر النهضة الحديثة في كيرالا:

يعد القرن التاسع عشر للميلاد عصر النهضة الحديثة في الشعر العربي في كيرالا، حيث تفاقمت الإنتاجات الشعرية كما و كيفا في هذا القرن، وذلك على موضوعات مختلفة، وتتميز أكثرها بالروعة والجمالوالتنوع في الأساليب والموضوعات، والجدة في المعاني، والعذوبة في الألفاظ، والبراعة في الخيال. والشعراء منقسمون ما بين المحافظين القدماء والمحافظين المتجددين.

قد اعتنى بعض شعراء هذه الطبقة في كيرالا بالمحسنات البديعية والمعنوية معا فتفوقوا، وبعضهم اعتنوا بالمعاني الغزيرة والحلوة الموسيقية فأتوا بأروع الأشعار.ومن أشهر شعراء طبقة النهضة الحديثة في الشعر العربي في كيرالا السيد شيخ بن محمد الجفري، والقاضي عمر بن علي البلنكوتي، والقاضي محي الدين بن علي الكاليكوتي، وعبد الرحمن بن محمد الماطوري، والقاضي أبو بكر بن محي الدين الكاليكوتي.(2)

الشعراءالفحول في كيرالا:

و يحمل هذا القرن في طيه فحول الشعراء ودونهم أيضا، وتصاعد عدد الشعراء الذين تميزوا بالنهضة الحديثة في هذا العصر،وشعراء هذه الطبقة دخلوا بأشعارهم في جميع المناحي للحياة الإنسانية، وأخذت اللغة العربية تكتسي زيا حديثا وتنسجم مع الحياة المعاصرة. و من فحول الشعراء أبو ليلى محمد بن ميرانومحمد الفلكي الجمالي وأبو الرحمة محمد الفيئي.الفلكي أكثرهم ذكرا وأبو ليلى أحسنهم عروبة، والفيئي أحسنهم تصويرا وأسبقهم عصرا. وقد أطلق الدكتور ويران محي الدين الفاروقي عليهم بأنهم من فحول الشعراء في كيرالا في القرن العشرين، لكونهم أشعر شعراء كيرالا،وحياة مسلمي كيرالا الاجتماعية و عقائدهم وتقاليدهم وعيوبهم ومزاياهم منعكسة في أشعارهم.ومن المؤسف أنه ليس لأحد منهم ديوان يجمع جميع ما أنتجته أفكارهم من الشعر،اللهم إنهم اعتادوا تقييد بعض أشعارهم في مذكراتهم ونشرهافي المجلات والصحف وأعدادها الخاصة أو التذكارية.(3)

ازدهار الشعر العربي في كيرالا في العصر الحديث:

ثمة قائمة الشعراء الذين عاشوا في كيرالا في القرن العشرين وهم ليسوا على قيد الحياة و يطلق عليهم بشعراء العصر الحديث.أسلوب هؤلاء يتشعب حسب الكفاءات الموهوبة والمكتسبة، بعضهم خص لنفسه أسلوبا ولا يقلد غيره فيه، وبعضهم اتبع معالم الشعراء الآخرين،بعضهم نظم الأبيات بوفرة، وبعضهم قرضها قليلا.الشعراء الأفذاذ من هذه الطبقة في كيرالا كثيرون، وقد درس الدكتور ويران محي الدين الفاروقي أشعارهم بدقة وتأن في كتابه المعنون بـ”الشعر العربي في كيرالا ـ مبدؤه و تطوره”، وها أنا أسرد قائمة أسمائهم فقط: سعيد بن بكار اليدفاعي، والقاضي السيد حسين بن محمد، وأحمد الشعراني، وعبد القادر الفضفري، وعبد الرحمن بن محمد الكنياتي، ومحمد أبو الكمال الكاديري، وعلي بن فريد الكشنوري، وأبو سلمى محمد جمال الدين، وعبد الله بن محمد النوراني، ومحمد بن كنج أحمد الكوتلنغادي، وأبو رشيدة أبو بكر الحكيم، وكنجامو بن بابا البالكي، وعبد الرحمن بن محمد الفضفري، و محمد بن أحمد، وأبو بكر بن كنج محمد الكدفتوري، ومحمد أبو الصلاح الباقوي، و أبو بكر بن محي الدين التامرشيري، و كويا مو بن أحمد الشعراني.ويجدر بنا الذكر أنه ليس لأحد منهم ديوان يجمع أشعاره فيه كاملا سوى عبد القادر الفضفري، فله ديوان باسم “جواهر الأشعار”، وإنه جمع فيه أشعاره وأشعار معاصريه.(4)

مساهمات الشعراء المعاصرين في تطوير الشعر العربي في كيرالا:

والآن نحن بصدد الشعراء المعاصرين المليباريين الذين عاشوا القرن العشرين وهم على قيد الحياة. حديثا يعيش في كيرالا نحو أربعين شاعرا يخدمون العربية والأمة المسلمة بيراعهم. ومعظم هؤلاء الشعراء ولدوا وترعرعوا بعد الثورة المليبارية سنة 1921م،وتفوق بعض منهم تفوقا حتى بلغوا درجة فحول الشعراء، ومن هذا القبيل أحمد بن كنج أحمد الكدفتوري، وأبو بكر الفرمدفي، وعبد الرحمن الأريكلي، وموسى الأيروري، ومحي الدين بن علي، وعمر الفاروقي، وجابر الفلكي، والدكتور محمد عبد الرشيد، وعيسى المدني، وعبد الرحمن الكدفالي، وعلوي كوتي الكوتوري، وأمثالهم. أشعار هذه الطبقة مثال رائع في روعة وجمالالشعر العربي في كيرالا لفظا وأسلوبا ومعنىوما إلى ذلك من المحسنات الشعرية، والموضوعات التي خاض فيها الشعراء المليباريون فإنها مستمدة من البيئة الهندية الكيرالية، كما إنها ملتقطة من الحياة الإنسانية والاجتماعية والإسلامية.(5)

عبد الرحمن المولوي الأريكلي من مواليد قرية مويفوت القريبة من واداكرا سنة 1932م، وأسلوبه الحر الطليق و اتباعهللتقاليد العربية جدير بالاعتناء، نظم هذا الشاعر قصيدته التي وصلت أبياتها إلى أكثر من خمس مائة شعر بمناسبة حلول القرن الخامس عشر الهجري، وذكر فيها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من عهد النبوة إلى الهجرة المباركة، وهذه خدمة جليلة في ساحة الشعر والأدب بكيرالا. ومن قصائده التقليد، والجمان المعظم، وعويل المنصف، وتهنئة كتبها لمجلة المعلم، ومرثية على المولوي محي الدين الميلاشيري.

كان ن.ك. المولوي من كبار الشعراء حيث إنه نظم أكثر من خمسين قصيدة بالعربية، وكلها تتميز بالأسلوب الرائع البليغ.

عبد الرحمن الكريادي من مواليد قرية كرياد القريبة من مدينة ماهي سنة 1234هـ / 1916م. له أشعار ومقالات وتأليفات في الموضوعات المختلفة. كتب كثيرا من الأشعار في المناسبات المختلفة، ولكنه لا يذكر أكثرها، أسلوبه رائع، وألفاظه سهلة، ويوجد في أشعاره السلاسة و اللطافة كما في شعره في المدح والهجاء، وجميع أشعاره في أحسن أساليبها وأشد لهجاتها.

محي الدين بن علي من مواليد قرية شيور القريبة من نادا بورام سنة 1340هـ / 1921. قد شغف في الشعر وهو طالب، وإنه كتب كثيرا من الأشعار في الأحيان المختلفة، ولكنه لا يذكر أكثرها، وما كانت له عادة تقييد نتائجه الفكرية، شعره ذو عاطفة عميقة وخيال بديع. إنه ترجم قصيدة “الله” من الشاعرة المشهورة المليالمية كملا ثريا إلى العربية قريبا. له قصائد في التحية والتقدير والتهنئة والترحيب.

أبو بكر بن محي الدين الفرمدفي ولد في قرية فرمبدافو القريبة من فنان سنة 1341هـ / 1922م. له قصائد وأشعار قرضها في مختلف الأحيان والمناسبات، ولكنه لم يلتفت إلى جمعها أو تدوينها، وترجم قصيدة (فينا فوو للشاعر المليالمي المشهور كمارن آشان إلى العربية باسم “الزهرة الساقلة”)، وله رسائل شعرية إلى أصدقائه وقطع شعرية أيضا، ومن قصائده عذراء بنت عدنان، و الأخوة الإسلامية، وقصيدة للأطفال باسم الشيطان، وله مرثية على المصلح الكبير الكاتب محمد المولوي باسم ذكرى خالدات.

عبد الرحمن بن معين الدين الكدفلي من مواليد فرمبات كاو القريبة من كدفلي سنة 1345هـ / 1926م. وهو شاعر قدير، وله تأليفات ومنها مرقاة اللغة العربية، وإحياء علوم التجويد، وغيرها. وله قصائد في الترحيب والتهنئة والرثاء.

أحمد بن كنج أحمد الكدفتوري من مواليد كدفتور القريبة من تلشيري سنة 1335هـ / 1926م. هو شاعر نشيط، كان عضوا في لجنة تأليف الكتب الدراسية للمدارس المدنية لمدة خمس سنوات، وله أشعار كثيرة في المدح والمراثي وغيرهما من الموضوعات الشعرية، كتب المراثي على كثير من العلماء والزعماء في الهند وخارجها، وهو الذي يعرف في كيرالا بشاعر معترف لكثرة إنشاده وكتابته في المناسبات والمجلات المختلفة، له أسلوب سهل بسيط، ويعتني كثيرا بالقوافي السهلة.

موسى الأيروري(المولود في سنة 1355هـ / 1934م) كان يتبع خطوات الشعراء المحدثين مثل زكي أبو شادي في نظم القصائد، له أشعار رائعة جميلة، تميل إلى أسلوب حديث في المعنى والسبك، أشعاره للأولاد من أحسن أشعار الأولاد العربية في كيرالا، وهو مولع بالشعر ولكنه لا يكتب الشعر تكسبا به، ولا يمدح أحدا إلا قليلا نادرا، وليس له مرثية على أي شخص مات في حياته، فشعره من الوجدانيات والمودة أو الهجاء نادرا، كتب نحو 20 شعرا رائعا في المناسبات المختلفة، ونحو 24 شعرا رائعا للأطفال. ومن قصائده أم فخور، و ما أحلاك، و كيف قرضي، و إلى متى أيان. ومن قصائده التي تعجبنا كثيرا قصيدة إبليس يأتي، وليس إلى الحياء سبيل، والناس أجناس، وأمثالها.

وأما علوي كوتي مولوي الكوتوري (المولود في مالابورام في عام 1943م) فهو شاعر مجيد في العصر الحديث وتنشر أشعاره في الدوريات العربية، وله شريط الأشعار باسم أناشيد الأطفال والسنابل، ويقرض الشعر في الأمور الاجتماعية كحادثة غوجرات، ومأساة عربة القطار، و أنة أب على جهاز المرأة، والتطرف والإرهابية، وغيرها. قصائده في الأمور الاجتماعية جذابة، وفي المدح والثناء حلوة، وفي الطعن والعتاب لذعة مريرة، وأن له ملكة في تركيب المفردات الجذابة وسلك المعاني الغزيرة، شعره جيد الأسلوب ولطيف المعاني.

وقام نانمنده أبوبكر المولوي بترجمة الإنتاج الشعري المعنون بـ “Weenapoovu” من لغة مليالم إلى العربية،

وقصائد عيسى بن أبي بكر المدني أيضا تحتل مكانة مرموقة في الشعر العربي من حيث التقنية والتخيل والإدراك.

وذاع صيت الشعراء الآخرين ومن أمثالهم سي بي أبو بكر المولوي ومحمد أبو الصلاح وتي وي و كتّي يادي معيد والمولوي وما إلى ذلك في المنتدى الأدبي بكيرالا.

إنجازات شعراء كيرالا الآخرين: أشار عبد اللطيف بي. بي، أستاذ اللغة العربية بالكلية الحكومية في مالابرم،في مقالته المطبوعة، إلى كتب منظومة ألفها علماء كيرالا في العصر الحديث وأنا أسرد أسماءهم مؤلفاتهم هنا:

1) ألف الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد كويا الشالياتي(م 1302هـ) : ديوان الأشعار، والمراثي على عديد من المشايخ الكرام ، والقصيدة الأزهرية.

2) نظم مولانا يوسف الفضفري (م 1336هـ ): قصيدة البدرية الهمزية.

3) أثرى الشيخ عبد القادر بن يوسف الفضفري(م 1374هـ) المكتبة العربية بـ ديوان الأشعار الغريبة، وجواهر الأشعار، وسمر السري في مدح خير الورى، والمراثي والتهاني لكثير من العلماء.

4) كرّم الشيخ سيدوتي المسليار – ادبال (م 1347هـ) دنيا الشعر والأدب بـ ديوان الأشعار.

6) نظم أريكل محمد مسليار وليت (م 1370هـ) : قرة العين لفتح المعين، والنور الأول في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والدرر المنظمة في مناقب غوث الأعظم، ومناقب السيدة نفيسة المصرية.

7) ألف الشيخ كنج أحمد بن أبو بكر الفروري الوليتي(م 1380هـ) : قصيدة معدن الفلاح، وقصيدة الألفية في اللغة، وديوان الأشعار ، وقصيدة الألفية في علم الفرائض، وقصيدة في العكاز.

7) نظم كنمل بوكروتي مسليار (م 1396 هـ) : قصيدة ألا أيها العلماء، وقصيدة السيف المسلول في وفاة الرسول.

9) كتب مولوي محمد أبو الكمال كاديري ميلمري (م 1405 هـ) : ديوان الأشعار، وتائية كمالية.

الموضوعات والأغراض الشعرية في كيرالا:

أنشد الشعراء من أهل كيرالا الأشعار العربية عندما ألحت الحاجة إليها وطلبت الأوضاع الاجتماعية أوالسياسية أو غيرها إلى إنشادها فاكتفوا بها ، ثم لم يلتفتوا إليها. فمجمل القول أنهم لم يأخذوا الشعر صنعة و حرفة ليكونوا شعراء، وأما الموضوعات والأغراض التي تناولها الشعراء منذ قديم الزمان مختلفة منها المدح والرثاء والوصف والهجاء والفخر والحماسة والغزل ومن الأغراض الحديثة في الشعر الوطنية والغناء والطبيعة والسياسة، ومعظم هذه الأغراض شاملة ومزدهرة في الشعر العربي بكيرالا.

(ألف) قصائد المدائح النبوية:

المدائح النبوية من الموضوعات المفضلة التي تناولها شعراء كيرالا، وهذه المدائح تختلط بالنظم والنثر وبأشكال مولد النبي ومناقب الشهداء والصلحاء.

يقول عبد اللطيف بي. بي:“وقصائد شعراء كيرالا فى مدح النبي تعادل لأشعار العرب الخلص في جودة النظم والسبك وتفنن المعانيوعذوبة الألفاظ وحلاوتها، وكذا في تخلّق معانيَ مبتكرة وإمالة القلوب إلى خيالات رائعة وتصورات فائقة. وذلك أن علماء كيرالا كلَّهم كانوا من أهل السنة فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وعشقه ممزوجة في عروقهم ودمائهم، واعتقدوا أن محبة النبي ومدحَه صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات والوسائل إلى لقائه وشفاعته في الدار الآخرة. وأكثروا فيها القصائد وحفظوها وأنشدوها في الأعياد والمناسبات والمجالس الدينية”.(6) وفي السطور التالية أسجل بعض الشعراء وخدماتهم نحو الأدب العربي من خلال المنظومات والقصائد في المديح النبوي.

الشيخ فخر الدين القاضي أبى بكر بن رمضان الشالياتي(834هـ / 1429م – 885هـ / 1480م) من مواليد شاليات (Chaliyam)، وكان من نسل حبيب بن مالك،إنه سافر إلى الحجاز، وبعدما رجع منها ألقى درسه في الجامع الكبير بكاليكوت المعروف بجامع كوتيشيرا، وإليه تنسب السلسلة الفخرية في مناهج دروس المساجد. وكان قاضيا وعالما كبيرا وخطيبا مصقعا، وشاعرا مجيدا. إن أول منظومة عرفت لأهل كيرالا، هي “الوردة الذكية في تخميس قصيدة البردة” للشيخ فخر الدين القاضي أبى بكر،وله أيضا “راحة الفؤاد في تخميس بانت سعاد” لكعب بن زهير وتخميس للوترية لمحمد بن أبى بكر البغدادي. وهنا يعرض بعض الأمثلة من قصيدته ” الوردة الذكية في تخميس قصيدة البردة”.يبدأ المخمس قائلا:

رفقا بنفسك يا من بات ذا ألـم               كم ذا التأوه في بحلولك الظلم

ما لي أرى حمرة في الخد كالعنم   أمن تذكر جيران بذي سلم

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

أم فاح طيب عهود ثم جازمة               أم ناح ورق بأشجان ملازمة

أم لاح أنوار ليلى في منادمة                أم هبت الريح من تلقاء كاظمة

وأومض البرق في الظلماء من اِظم

يبدع في وصف العشق والغرام، ويقول:

العشق نار ونار العشق تضطرم    لا الدمع يطفي ولو كالغيث ينسجم

يا أهل طبع سليم ما به سقم                أيحسب الصب أن الحب منكتم

ما بين منسجم منه ومضطــرم

حل الغرام لنا في سائـر الملل               يميس صاحبه في أفخـــر الحلل

بشراك ياذا الضنا والوجد والعلل     لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل

ولا أرقت لذكر البان والعلم

ومن تلاميذ القاضي أبي بكر، المخدوم زين الدين بن علي المعبري (871هـ / 1466 – 928هـ / 1522م) من مواليد بلدة كوشن،كان قاضيا بفنان بعد عودته من مصر، له تأليفات كثيرة نظما ونثرا، ومن أحسن منثوراته وأشهرها مرشد الطلاب، وسراج القلوب (وهما في التصوف)، وكفاية الفرائض في الفقه، ونحو ذلك مما يبلغ عددها إلى عشرين كتابا. وللمخدوم زين الدين قصائد، ومنها:قصيدة باسم “هداية الأذكياء إلى طريقة الأولياء”، وقصيدة باسم “تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان” يصف الشاعر التقوى ويقول:

تقوى الإلــه مدار كل سعــادة         وتباع أهـوى رأس شر حبائلا

إن الطريق شريعـة وطريقـة  وحقيقـة فاسمع لها ما مثــلا

فشريعـة كسفينـة وطريقـــــة      كالبحر ثم حقيقـة در غـــــلا

من رام دُرا للسفينـــة يركـب   و يغوص بحرا ثم درا حصـلا

القاضي عمر بن علي البلنكوتي (1179هـ / 1757م – 1273هـ/ 1852م) من مواليد بلدة بلنكوت القريبة من فناني،كان رجلا تقيا، ومتمكنا من اللغة العربية، و شاعرا ممتازا وعالما بارعا في العلوم المختلفة مثل علم الأفلاك وعلم الهيئة.كان يراسل أصدقاءه في الشعر العربي، و له تأليفات عديدة في الفقه والتصوف والحكم ومدح الرسول، وقام بمظاهرات عنيفة ضد الاحتلال البريطاني.له منظومات مشهورة، منها منظومة مقاصد النكاح في بيان أحكام النكاح ومسائله، وقصيدة النفائس الدرر، وقصيدة ألف العاصي، وقصيدة في بيان سور القرآن، وقصيدة في نحس الأيام، كما إنه نظم قصيدة “صلى الإله”، واسمها ” القصيدة العمرية في المدائح النبوية”. وهي تحتوى على 24 مخمسات رائعة، أنشدها عند باب روضة النبي المشرفة حينما رآها مغلقة، وهذه القصيدة فاضت من قلبه الحزين ومن حبه الجياش للقاء حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقصيدته العمرية في مدح الرسول شهيرة جدا، ومطبوعة في كيرالا وفي مصر وغيرها، وبعض أبياته:

يا أكرم الكرما على أعتابكــــــم                عمر الفقير المرتجى لجنابكم

يرجو العطاء على البكاء ببابكم     والدمع من عينيه سال سجيما

صلوا عليه وسلّموا تسليما

لا من كريم مثلكم للمرتجى         فيمن مضى قبل ولا فيمن يجئ

وأنا اللهيف فكربة لي فرج           حيران من ذنبي أسفت كظيمــا

صلوا عليه وسلموا تسليما

ما جف دمع سال من عينين               لكنه يجري على خديــــــــــــه

من حب قلبي سيد الكونيـن         حيا وميتا في التراب رميمــــا

صلوا عليه وسلموا تسليما

أبو الرحمة محمد الفيئ (محمد بن محي الدين الفيئ) من مواليد قرية نليكوت (Nellikuth) القريبة من منجيري سنة 1322هـ / 1901م، وكان أبوه عالما قديرا، توفي الفيئ سنة 1363هـ / 1942م أي في عنفوان شبابه، و له خدمات شعرية ذات قيمة وتقدير، وخاض هذا الميدان في باكورة القرن العشرين،وكان قديرا باللغة العربية وماهرا في العلوم المختلفة، وله مؤلفات كثيرة، ومعظمها لا تزال مخطوطة.كان قادرا على مكالمة اللغات المختلفة مثل الألسنالهندية المتعددۃ والأجنبية، وكان يراسل كثيرا من أصدقائه في الشعر. يصف الدكتور ويران محي الدين الفاروقي أسلوب أبي الرحمة محمد الفيئ قائلا:

“أشعاره جيدة الأسلوب وغزير المعاني وذات عاطفة نبيلة يتوفر فيه خيال بديع،وكان الفيئ يتعمق إلى بواطن الأمور فيخرج لبها إلى الناس ويبديها في أشعاره، فهيتتميز بالعروبة الكاملة، ولا يطيل الكلام بالمدح والثناء، وإنما يكتفي بالإشارات والرموز إلى الوقائع والحوادث. كان الفيئ أول من قام بالنهضة الحديثة في القرن الحاضر في الشعر العربي في كيرالا، وله أشعار في الوجدانيات والرسائل والتهاني والمدائح، ومراسلاته من أحسن المراسلات الشعرية، وهي مقطعات شعرية نبعت من عروبة أصلية، ومراثيه من أبدع المراثي العربية”.(7)

له قصيدة باسم الرسول الأمين، يبدأ القصيدة قائلا:

صلاة الله رب العالمينـــــا                على خير الخلائق أجمعينا

به ضاء الوجود وكان قبلا     ظلاما خالصا للناظرينــا

ومنها شركهم بالله خلقــــا        و وأد للبنات مجاهرينــا

فكم وأدوا بنات باكيــــات                وما رقت قلوب الوالدينا

وكان القاضي أبو بكر كنجي بن القاضي محي الدين الكاليكوتي من تمارا شيري المتوفى سنة 1301هـ شاعرا كبيرا، وله قدرة فائقة باللغة العربية، إنه نظم بعض الأبيات، وهو يقول:

أللدنيا افتـرقتـــــم أم لجـاه                 من الدنيا الدنيئة لا تـدوم

وأقوال الأئمة قد رميتمبهـا              قــد فـاز أسـلاف كـــرام

وأولتـم بما تهـوى النفـوس                       لآي نــزّل الله الحكيــــم

ومن أشعاره في مدح النبي صلى الله عليه وسلم “الهمزية النبوية” وتحتوي على 58 بيتا على ترتيب الحروف الهجائية، ونماذج منها:

باهى به الرسل والأملاك بالطرب           باهى المحيا فمنه كل أبهـــــاء

باهى النهار بشمس حار ذا عجب          بدر وعرش وكرس كل لمعاء

(ب) قصائد في التهنئة والترحيب:

المدح والترحيب قد شاع كثيرا في الشعر العربي في كيرالا، وكان الشعراء من قديم يمدحون بالأشعار العربية العلماء والأمراء الذين يفدون إليهم ضيوفا أو زوارا من داخل أو خارج بلاد الهند، ومن أحسن من قرض في هذا الموضوع محمد الفلكي الجمالي وأحمد بن كنج كوتي الكدوتوري و محي الدين علي وغيرهم. نظم الفلكي قصيدة ترحيبية بمناسبة تدشين مجلة عربية مسماة بـ البشرى الشهرية وصدرت المجلة تحت إشراف كيرووَتي محمد المولوي من قبل جمعية الأساتذة العربية بكيرالا. ومنها بعض الأبيات:

فكم ركب سألتهم شجيـــــــا            أفتش عنـــك تفتيشـا جليــــــا

وكم ليل سهرت به شكيّــــا           أقاسي حرقة الملهوف حيــــا

ولكن في الطريق أتى إليــا من القطاع من غضب الحليـا

عتوا النجمة السوداء عليا           وسلب جميع ما قـــد كان فيـــا

قصيدة جمال الدين المولوي متوفرة في مجموعة أبي ليلى وسيندهش من هو خبير بقصائد جرير وفرزدق والأخطل الهجائية عقب الإطلاع على قصائد المدح التي قرضها بي وي جمال الدين المولوي والفلكي.

عبد الرحمن الكريادي المعروف بـ إن أي كرياد (N A Kariyad) ولد بقرية كرياد القريبة من مدينة ماهي سنة 1234هـ / 1916م، واشتغل مدرسا في المدارس والكليات. له مقالات و كتب وأشعار في المدح والهجاء والرثاء. قرض الشاعر قصيدة تهنئة وتسلية للزعيمة السيدة إنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند سابقا حين حبستها الحكومة التي جاءت بعدها، وأحضرت السيدة غاندي في المحكمة ولكنها أطلقت من غير قيد، والشاعر يهجو فيها رئيس الوزراء الجديد مورار جي ديساي بأشد الكلمات، ويصف الشاعر السيدة غاندي قائلا:

أيا وزيرتنا العظمى لماضينا                 يا إندرا غاندي يا مأوى المساكينا

أنباء أسرك ذاعت بيننا فإذا         آذاننا اتهمت والــريب يؤذينــــــا

لكنها أدمعت كل البلاد دمــا                تبكي الحجارة والأشجار والطينـا

يقول الشاعر في إطلاقها من غير قيد:

فالحق أعجزهم عن حسن بينة       في حين قيل لهم هاتوا براهينــا

فكيف لا لا وكنت الأم عاطفة      وفي يديك زمام الهند تؤوينــــا

ظللت ظل أمان في مواطننـــا                غللت أيدي ظلم و العداوينـــــا

فيستهزأ الشاعر رئيس وزراء الهند آنذاك قائلا ومشيرا إلى عادته الشخصية الغريبة بشرب بول نفسه كل صباح ويقول:

إن كان شارب بول بيننا ملكا               فالقوم يؤكلهم روثا وسرجينـــا (8)

عبد القادر بن يوسف الفضفري (1313هـ / 1895م ـ 1374هـ) من مواليد قرية فضفرم (Pallippuram)، وبعد إكمال الدراسة عمل مدرسا، له تأليفات كثيرة نحو سهل الصبية في دراسة اللغة العربية، وحاشية على شرح قطر الندى، وحاشية تخميس بانت سعاد، وديوان الأشعار الغريبة والأمثال العجمية، وجواهر الأشعار. كان مولعا بالأشعار العربية كثيرا. له قصيدة (وهي تحتوي على 64 بيتا)أنشدها في حفلة انعقدت في الباقيات الصالحات بويلور سنة 1343هـ، فيقول في وصف الباقيات الصالحات:

جمالها في علاها مانـع أبـــــــــدا            قلوب طلابها عن حب أغيـــــار

إن زرتها تر فيها عجائبهــــــــــا             فيها نجوم زهت ما بين أقمــار

هذي ديار أحبا قد أضاء بهـــــــا            من حسنهم بهجة تذهو بأنــــوار

فيهم أناس كأقمار الوجود هــــــم  لكل مــن هجر الأوطان أنصار

أهل الصلاح وأهل العز والشرف         وليس فيما لديهم قط من عــار

وأسكن بحجرتها تسلم عن العطب  واحفظ قواعدها مع طاعة البـاري (9)

(ج) قصائد في الجهاد:

المكتبة العربية بكيرالا حافلة بالقصائد الجهادية هي الأخرى، وهذه القصائد نظمت استجابة إلى الظروف المتأزمة التي عاناها المسلمون في كيرالا أيام الاحتلال البرتغاليين الأجانب، حيث إنها استنهضت همم المواطنين من مسلمي مليبار لحمل السلاح ضد البرتغاليين المستعمرين وطردهم من بقعتهم الخصبة. ومن أشهرها:تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان للشيخ زين الدين المخدوم الكبير (المتوفى سنة 927هـ)، و الفتح المبين فى أخبار البرتغاليين للشيخ القاضى محمد بن عبد العزيز الكاليكوتى ( 980هـ – 1205هـ) صاحب محي الدين مالا ، وما إلى ذلك.

الشيخ زين الدين المخدوم الكبير يصور أمامنا في كتابه “تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان” أعمال العنف والتخريب التي ارتكبتها الأعداء بكل شدة كأننا نراها بأعيننا قائلا:

بغوا في مليبار بأصناف بغيهـــــم      وأنواع شدات وأجناس فتنــــة

من الأسر والنهب وإحراق مسجد    وخرق كتاب ثم هتك لحرمــة

وتحريق أموال وتخنيق مسلـــــم               وتعويق أسفار وتعطيل عيشـة

 وهو يطلب المساعدة من أمراء البلدان القريبة لتفريج هذه الكربة قائلا:

فيا أيها السادات أنتم رجاؤنــــــــا               بفضل إله العرش في كل شدة

ونحن عطاش وانتم السحب         تمطرفيا ليت شعري هل نفوز برية

كما يصور الشاعر القاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي صاحب ” الفتح المبين في أخبار البرتغاليين ” أمامنا شدة الحروب التي جرت بينهم بتشبيهات بارعة إذ يقول:

وقد جرت عجائب في ساعة                وكانت الساعة مثل الساعة

وبالبخار والدخان العالــــي                    قد أصبح النهار كالليالـــي

وكالرعود صوت كل المدفع         ولمعان السيف مثل اللمــع

كذا رماحهم مع النشــــــاب            يتابع الأعداء كالشهـــــاب

وحجر المدفع والسهــــــــام                     كمطر يمطره الغمــــــــام

القاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي من مواليد كاليكوت سنة 980هـ / 1577م، وهو حفيد القاضي أبي بكر بن رمضان الشاعر المذكور سابقا، تولى قضاء كاليكوت عقب قضاء أخيه على الناشوري، وتتابع على ذلك المنصب إلى أن توفي سنة 1025هـ / 1616م. للقاضي محمد تأليفات كثيرة و يقال أن له من التأليفات ما يبلغ الخمسين نثرا و نظما، وأشعاره رائعة جميلة. نظم القاضي محمد قصائد متعددة ومنها:إلى كم أيها الإنسان (نصح فيها إخوانه المسلمين الذين يكبون على الحياة المادية ولا يعملون شيئا للحياة الأخروية)، و قصيدة الفتح المبين (وهي قصيدة في بيان أحوال كيرالا في أيام البرتغاليين وشرح معاملتهم الشنيعة مع أهالي هذا البلد لا سيما مع المسلمين، وحروبهم مع السامري ملك كاليكوت، حتى اضطهدوا قوة المسلمين بهذه المنطقة)، وله مقاصد النكاح (وهي قصيدة طويلة تحتوي على 252 بيتا، وهي في بيان أحكام النكاح على المذهب الشافعي)، وله مرثية على الشيخ عثمان لبي القايلي.

(د) قصائد في الرثاء:

اعتنى علماء كيرالا بنظم المراثي و إنشادها بكثرة و تنوع زائد حتى لا نكاد نحصيها، وهي الأكثر في الأشعار العربية في كيرالا، ولها شهرة عميقة بين العلماء والعامة من الناس. تتمحور أفكار الشعراء في كل رثاء نظموه على مفاجئتهم بسماع نعي راحلیهم، وإظهارهم الحزن الشديد على الحادثة المؤلمة، ثم ينتقل الشاعر إلى ذكر الموت وبيان محاسن الفقيد بلسان بليغ رائع و بمحسنات بديعية. والشعراء الذين أجادوا في الرثاء واشتهروا فيه بكيرالا هم:

(1) محي الدين بن علي قاضي كاليكوت على الشيخ بن محمد الجفري، (2) والقاضي عمر بن علي البلنكوتي المعروف بعمر القاضي ولينكود على شيخه وصديقه السيد علوي بن محمد مولى الدويلة المشهور بالسيد المنفرمي المتوفى سنة 1260 هجرية، (3) والقاضي أبو بكر كنجي على أبيه القاضي محي الدين بن علي وعلى أستاذه الشيخ عبد القادر بن عمر كايل بتنم (وهي مخطوطة ومحفوظة في مكتبة القاضي نالكت محمد كويا)، (4) والشيخ محي الدين بن فريد على عمر القاضي البلنكوتي (مخطوطة في مسجد محي الدين كويلاندي)، (5) والشيخ شهاب الدين أحمد كويا الشالياتي (1302هـ) على السيد أحمد الجفري (مخطوطة في مكتبة شاليات)، (6) والسيد عبد الرحمن العيدروسي على السيد عبد الرحمن بافقيه رئيس الرابطة المسلمة السابق، (7) وأبو محمد سيد علي بن سيدالي كوتي على عبد الله مسليار البانغي وعلى الحاج أبي بكر مسليار الألوائي، (8) وأبو محمد باوا مسليار الويلتورى على الشيخ عبد القادر مسليار الكندوري.

وها يُسرد أنموذج لمرثية محي الدين بن علي قاضي كاليكوت على الشيخ بن محمد الجفري والذي كان من معاصريه وتولى قضاء المحكمة الشرعية من جانب الحكومة البريطانية وكان كاتبا قديرا وقاضيا مشهورا وعالما جليلا:

اغبرت الأرض والآفاق باكية                لموته والسما والحوت فى الخضم

فأي آه على آه على فقــــــــده           فابكوا عليه أيا إخوان دمــــــع دم

وأنموذج لمرثية القاضي عمر بن علي البلنكوتي المعروف بعمر القاضي ولينكود على شيخه وصديقه السيد علوي بن محمد مولى الدويلة المشهور بالسيد المنفرمي (م 126هـ):

        وبعد فالزاهـد المشهور بالكــــــــــرم   وبالكرامة تاجُ السادة الكبـــــرى

السيد العابد المحمود سيرتــــــــــــــه       موافق الشرع منهيا ومؤتمـــــرا

علوي الشريف الولي الصالح الورع  المصلح المتقى الألقاب دون مرا

قطب الزمان سراج الأرض سيـــدنا   من دار دنيا إلى دار البقاء سرى

في ليلة الأحد من محرم الحــــــــرم     في سابع قد قضى وفاته سحـــرا

(ر) قصائد في الهجاء:

ويوجد الهجاء من أقل البواعث الشعرية عند أهل كيرالا، وشعر الهجاء قليل بين الأشعار الكيرالية العربية، اللهم إلا عند المهاجمة والعدوان الشديد والمدافعة الدينية والاختلافات الحزبية بين الشعراء. كان الشيخ جيفري أول شاعر من كاليكوت، وإنه أصبح سيفا مسلولا عبر قصائده العربية ضد حركة الإحياء، ونظم قصائد خلاف حركة محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية. وكانت هناك فئتان: فئة عبد الله النوراني ومحمد الفلكي و بي وي محمد أبي ليلى، وفئة ثانية وهي فئة أحمد الشعراني وأحمد كويا الشلياطي وعبد الرحمن القانياني وغيرهم و أخذت الفئتان راية النضال والكفاح. نشر عبد الله النوراني قصيدة عربية تتكون من ثمانية أبيات بعنوان “التقليد” فقام بعض الشعراء بردها ونشروا أبياتا عديدة في مجلة “البيان” الشهرية، قرض النوراني في قصيدته:

أرى التقليد لا ينجي وأهل الـ        حديث على الهداية قائمونا

وبعض الناس يتهمون أنـــي                  بأني لا من المتقلدينـــــــــا

بلى وسجيتي تقليد قول الــــ          نبي وقول رب العالمينــــا

أجاب أحمد الشعراني قائلا:

يا صاح لا تضطرر بهذه الفرق     كانوا شياطين إنس فاتني الجهلا

و فرّ منهم كما تفرّ من أســــــد               و احذر مجالسهم في وعظهم مثلا

قصيدة رثاء لـ بي وي بعنوان محمد علي جناح قصيدة توحدت في الوجود وأما قصائد الفلكي فهي متواجدة تماما.

أبو رشيدة أبو بكر الحكيم (1334هـ / 1915- 1993م) من مواليد قرية كيزو فرمبا (Kizhuparamba) القريبة من أريكوت، كان ينشد الأشعار الهجائية المريرة و المديحات الحلوة، ضاع معظم أشعاره حيث إنه لم يهتم بالتقييد. قرض أبو رشيدة قصيدة باسم “تنفس الصبح” والشاعر في هذه القصيدة يعاتب السيدة إنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند سابقا التي أعلنت حالة الطوارئ وابنها الراحل سنجاي غاندي بأشد أساليب الهجاء، وله قصيدة “سكبى العبرات” وهي قصيدة كتبها في هجاء أهل قرية تزوج منها الشاعر وكان يستوطنها، فحدث بينه وبين أهل القرية بعض الخصومات في شأن أراضي سكنه فالشاعر يسبهم ويهجوهم بأشد أساليب الهجاء ويتفجع فيهم بأنهم سكان بلدة زوجته. يقول لزوجته داعيا باسمها أن أهل بلدها يعمهون في الغي والضلالة، وعيونهم ترتعي حول المنهيات والمحرمات من غير حياء:

أرحيم هبي سكبي العبــــرات            مما تردي الناس في الويلات

أو ما رأيت القوم حولك ترتعي         أعيانهــــم أرجاء منهيـــــات

ويقول أنهم يقطعون الأخشاب من الجبال التي ليست في ملكهم يحسبونها حلالا لهم وأنهم لصوص ماكرون كالثعالب وليس يستثني منهم في هذه الأعمال الشنيعة أحدا فيقول:

خشبان أ جبالجوار ديارهــــم          حل لديهم غير مكروهــــات

فهم اللصوص الماهرون سجية      وهم الثعالب واقب الظلمـات

وزعيمهم وخطيبهم وعميدهــم        كل يبيع الدين باللقمــــــــات

ويشير الشاعر إلى الحادثة التي وقعت بينه وبينهم يصفها قائلا:

و لنهب أموال الضعيف خديعـــة     أتباعه يهدي العميد العاتــــي

هجروا من القاموس كلمات المكا   رم والمحاسن غير مفهومات

ويهجوهم الشاعر مشيرا إلى بعض عاداتهم من الاغتسال صباحا في ضواحي نهر تشاليار الذي يجري بجنب هذه القرية ومغاسل الرجال والنساء تكون متقاربة جدا ثم يستهزئهم بأنهم مع هذه الفواحش والمنكرات يقولون أنهم من أصحاب الحركة الإصلاحية ويعملون وفق تقاليدها ويقول:

أولا ترون رجالهم ونسائهم  متزاحمين مغاسـلا لعـــرات

متوهبون بظاهر الأقوال بل         متدينون بشرعة الطاغــوت

وثمان ركعات القيام بليلـــة    رمضان يكفي عندهم لنجـاة (10)

أبو بكر بن محي الدين التامرشيري المعروف باسم بوكر كوتي مسليار (1343هـ / 1922م ـ 1977م) من مواليد قرية واواد القريبة من تامرشيري بمقاطعة كاليكوت، وبعد الدراسة عمل مدرسا إلى ستة وعشرين سنة. ألف بوكر كوتي مسليار “السيف المسلول” في ذكر حياة النبي من حجة الوداع إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام. له أشعار في العربية لم يطبع منها إلا القليل، وكان يراسل مع الآخرين شعرا، وله أدعية منظومة ذات عاطفة بليغة. قرض بعض أشعاره حماية لعقائده السنية ورجما بها أهل الحركة الإصلاحية. نظم الشاعر قصيدة يهاجم بها أهل الحركة الإصلاحية ويعاتبهم قائلا:

ومجتهدون في هذا الزمــان  بما تهوى نفوس فاعلونــا

وظنهم وهم كل بحــــــــــق              ولكن في البطالة سائحونا

ومنهم طاعنون على الأئمة ومنهم زاعمون محدثونــا (11)

كويامو بن أحمد الشعراني (1929م ـ 2003م) من مواليد قرية وليورا (Valiyora) القريبة من ترورنغادي، وبعد إتمام الدراسة اشتغل مدرسا، وله أشعار رائعة، توارث الشعر من أبيه أحمد الشعراني، وأكثر أشعاره في معاندة الحركة الإصلاحية ذات قيمة عاطفية، له قصيدة طويلة باسم التحذير الإبداء عن تحبير الابتداعوهي تحتوي على 555 بيتا في رد الحركة الإصلاحية، وهو يقول:

إن استندت يا أخي الصنــدل                 يفوح منــك صنــدل وينجلـــــي

وإن إلى جدار اصطبل البقر                سندت شم الروث منك لا العطر

لا تطبخ الأسماك في إنـــــاء          يغلــى بــــــــه الألبان للغـــــذاء (12)

(س) قصائد في المراسلات الشعرية:

والمراسلات الشعرية أيضا من الأشعار الهامة في ديار مليبار، وأن المراسلات الشعرية كانت عادة قديمة بين العلماء المتذوقين في الشعر، وراسلوا فيما بينهم في الشعر المقفى، وكانوا يرون فيها نوعين من التمتع تمتع الإخبار وتمتع الذوق الأدبي، وفي مقدمة هذا القبيل القاضي أبو بكر بن محي الدين الكاليكوتي والفلكي وأبو ليلى والفضفري وأبو سلمى، ومراسلات أبي الرحمة محمد الفيئي (محمد بن محي الدين الفيئي) من أحسن المراسلات الشعرية وهي مقطعات شعرية نبعت من عروبة أصلية.

الشيخ بي وي محمد المولوي المعروف بأبي ليلى من بوّيكل، وعبد الله النوراني ومحمد الفلكي من وِلاتُور كل من ثلاث كبار شعراء العربية نزلوا في ساحة الشعر العربي في مستهل القرن العشرين و أخذوا ينظمون الشعر منذ بداية شبابهم، حيث كان الفلكي يتعلم في الكلية الجمالية بمدراس والنوراني يدرس في مسجد إراكل بكومارا نلّور وبي وي محمد يتلقى العلم في دار السلام بعمرآباد، وكان هؤلاء يتبادلون الرسائل والخطابات بشكل منظوم، وأما بي وي فكان لا يراسل، بل إنه كان عاكفا على عمل التدريس والصحافة والسياسة حتى إنه ترك الفعاليات والوظيفة جمعاء وأخذ الاعتناء بالسياسة العملية. ذهب إلى دار اليتامى في تيرور نكدي وبدأ قرض الشعر بالعربية و جريدة “المرشد” كانت لسان حال لحركة الإصلاح، حرر فيها:

يا مرشد الغرّاء أهــــلا مرحبــــــا                مدى يديك طرق أمة أحمـــــد

ما أنت إلا ديمة تنيسب بـــــــــأس              تسقاء أمتنا مع القلب الصدى

ما أنت إلا الشمس تطلع في سمـاء         الدين أن تنفى ظلام الملحــــد

جمال الدين المولوي المعروف بأبي سلمه، أرسل إليه بي وي عديدا من الخطابات المنظومة إثر اتصاله به، إنه رد على الخطاب الذي رفعه بي وي محمد المولوي المعروف بأبي ليلى إليه قائلا:

تذكر فرقة الأحباب تذكـــــــي                          حشاي وكل قلبي في احتراق

دعا أسفي إلى الإسعاف دمعي              فقلبي بانسكاب واندفـــــــاق

سيجري دائما طول اغترابــي                 على خـدي درا كالسواقـــــي

سنحينا حاميا كمــــــذاب فض                 وأحمر قانيا كــدم مراقـــــي

كان القاضي السيد حسين بن محمد باعلوي المعروف بملاكويا تنغل قديرا باللغة وله قصائد. كتب إلى السيد أحمد دحلان بمكة المكرمة رسالة شعرية يصفه فيها بأوصاف بارعة ويطلب منه الإجازة للتعليم، وهو يقول:

وإني أروم الآن منكم إجــــازة         على العلم والتعليم والقلب حاضر

سحاب سلامي قد سقاك منـزلا       إليكم مياه الورد بالطيب ماطـر

سفائن أسفار البحور حصرتها       إلى ذروة الدول العليــة دائــر

لميراثكم من جدكم بحر الندى       ولو رشفة طرتم على البحر ذاخر

وفي الجملة توجد في الأشعار العربية بكيرالا جميع أنواع الشعر العربي، من أحسنها مقومة في الميزان التقويمي الأدبي الحديث.

(ص) قصائد في الأطفال:

اعتنى شعراء كيرالا بالأطفال أيضا، وقرضوا أشعارا لتربيتهم وتعليمهم، ومن أولئك أبو بكر بن محي الدين الفرمدفي، وموسى الأيروري، وعلوي كوتي الكوتوري.

موسى الأيروري ولد في قرية أيرور (Ayiroor) القريبة من فنان سنة 1355هـ / 1934م، وهو مولع بالشعر، وأشعاره للأطفال من أحسن أشعار الأولاد العربية في كيرالا، كتب نحو 20 شعرا رائعا في مختلف الأحيان والمناسبات، ونحو 24 شعرا رائعا للأطفال.(13)

علوي كوتي الكوتوري من مواليد قرية كوتور (Kottoor) القريبة من كوتاكل بمقاطعة ملابورام سنة 1943م. قرض الشاعر كثيرا من الأشعار ونشر بعضها في المجلات، وله 17 شعرا للأطفال نشرت في أناشيد الأطفال.(14)

سجل الشاعر أبو بكر بن محي الدين الفرمدفي المولود في قرية فرمبدافو القريبة من فنان سنة 1341هـ / 1922م، قصيدة للأطفال لقطة مصورة من حياة الناس الذين يشربون الخمر. يحكي ولد صغير لأمه قائلا:

أيا أمـاه يا أمــاه                      آه يأتينـي شيطـان

خذيني ثم ضمينـي                    فإني منه حيـــران

تصيح لخيفة منهــا                  نساء ثم صبيــــان

تفر بها جــواميس                    و بقرات و ثيران

تجيب الأم وتسلي الطفل بذكر الحقيقة:

أيا ولدي و يا كبدي                هـو الشيطان إنسـان

فلا ترهب بلى لكن                 بشرب الخمر سكران

فمن يشرب فشيطان                       و من لا فهو إنسان(15)

خلاصة القول:

فحوى القول إن علماء كيرالا كانوا أهل علم و معرفة ودين وإصلاح، وكان لهم نبوغ في اللغات العربية والأجنبية، وكانوا يعتنون بقضايا الأمة المسلمة وشؤونها الدينية والاجتماعية والسياسية خطابة وكتابة، وكذلك إنهم قرضوا أشعارا و نظموا قصائد، لإيقاظ الأمة من رقادهم ولتعليمهم أهم الواجبات تجاه دينهم ودنياهم. والجدير بالذكر أن هناك بعض الشعراء في كيرالا ليس لديهم إلا بضع رسائل شعرية من جملة الإخوانيات، ولا يوجد لهم حتى ديوان صغير على الأقل، كما هناك بعض الشعراء الذين أنتجوا إنتاجات شعرية ضخمة في قالب الديوان والدواوين بعض الأحيان في المواضيع المتنوعة.

قد انطبعت في الشعر العربي في كيرالا في أسلوبه ومعانيه وخياله وما إليها من المحسنات الشعرية كثير من الطبائع الكيرالية والأمثال والكلمات الحكيمة والوقائع والوطنية بين ثناء وهجاء كما نجد فيها الحوادث العالمية. وقد كثرت في الشعر العربي في كيرالا من الأناشيد العربية تنشد بها طلاب المدارس، وكان من المشهورين في هذا الوادي محمد أبو الصلاح الباقوي ومحمد بن أحمد.

فالشعر العربي في كيرالا روضة مزدانة وضع أساسها القاضي أبو بكر بن رمضان الشالياتي و نمت وازدهرت بإرواء القاضي عمر بن علي البلنكوتي والقاضي أبي بكر بن محي الدين الكاليكوتي وأمثالهما، وأثمرت فيها ثمار يانعة في عصر فحول الشعراء، ولا تزال مورقة مخضرة عند الشعراء الذين هم على قيد الحياة.

ومن نافلة القول إن العلماء الذين أخذوا زمام اللغة العربية ونشرها نظما ونثرا في مليبار من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الهجري هم من أسر القضاة والمخاديم و السادات الباعلويين و السادات البخاريين. فلهم مساهمات جبارة في اللغة والأدب، وتبعا لنشاطاتهم المكثفة انتشرت في البلاد مراكز كثيرة من حلقات الدروس في المساجد، وأنجبت هذه المراكز كثيرا من العلماء والأدباء والكتاب البارزين.

الهوامش

1-  ويران محي الدين الفاروقي:الشعر العربي في كيرالا،مبدؤه وتطوره، 2003م، ص 68 ـ 78.

2-  المرجع السابق، ص 68 ـ 85.

3-  المرجع السابق، ص 119 ـ 168.

4-  المرجع السابق، ص188 ـ 276.

5-  المرجع السابق، ص 279 ـ 315.

6-  عبد اللطيف بي. بي: نظرة وجيزة إلى الشعر العربي بكيرالا.

7-  ويران محي الدين الفاروقي ، ص 169.

8-  المرجع السابق، ص 280 ـ 284.

9-  المرجع السابق، ص 199 ـ 204.

10-  المرجع السابق، ص 246 ـ 249.

11-ابن الشاعر عبد الجليل التامرشيري (مخطوطة) نقلا عن “الشعر العربي في كيرالا”، ص 273.

12-كويامو بن أحمد الشعراني: التحذير الإبداع، ص 2، نقلا عن ” الشعر العربي في كيرالا”، ص 277.

13-الدكتور ويران محي الدين الفاروقي:ص 304 ـ 307.

14-المرجع السابق، ص 308.

15- المرجع السابق، ص 288 ـ 293

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *