حركة الشعر الحر في الأدب العربي الحديث

 د. معراج أحمد معراج الندوي 

كان القرن الثامن عشر الميلادي ميلاد عصر جديد في كل ناحية من نواحي الحياة. نهض العالم وتغير مجرى التاريخ. تغيرت فيه أساليب الحياة وتحولت فيه أصناف الأدب من السجع والبديع والزخرفة إلى الأسلوب المرسل و السهولة والبساطة. شقت الثقافة العربية طرقا جديدة ومذاهب أدبية حديثة. تأثر الأدب العربي بالأداب الغربية ليس بالأسلوب والتعبير والشكل والمضمون فحسب بل في الأفكار  والنزعات والاتجاهات والتيارات. فظهرت فنون الأدب المتحدثة، والتجدد والتحرر والحداثة في الشعرالعرببي. حينما اتصل العرب بالغربيين وكثر التمازج بين الشرق والغرب وعرف الشعراء الأوزان الغربية  وبحثوا عن دقائق الثروة العربية القديمة فوجدوا أنه لا بد من نهضة شعرية، وشمول الموضوعات الجديدة التي تتصل بالحياة المتغيرة. و تأثر الشعراء العرب تأثرا كبيرا بهذه المذاهب الجديدة التي نشأت ونمت في الغرب وفي فرنسا خاصة ، وبدؤا قرض الشعر العربي المعاصر  على أساسها. يقول الأستاذ أحمد قبش في هذا الصدد:”حينما نهضت اللغة العربية من كبوتها وأخذت تستعد سيرتها الأولى في أوائل عهد النهضة الجديدة منذ مائة عام ، وجد رجال النهضة وكبار الشعراء فيها أن المعنى الصافي والمورد المستساغ هو في شعراء الأوائل فقلدوهم ، فإذا الشعر الحديث يرتدي حلة قديمة وإذا الأوزان القديمة هي السائدة المعية. وحينما كثر التمازج بين الغرب والشرق وعرف الشعراء الأوزان الغربية ونبثوا دقائق الثروة العربية القديمة، وجدوا أنه لا بد من نهضة شعرية فكانت المذاهب الأدبية الحديثة.” [1]

  الشعر الحر:  

تطور في القرن العشرين شعر ذا لون موسيقى جديد، أطلق عليه اسم الشعر الجديد أو الشعر الحر الذي يعتمد الشاعر فيه على التفعيلة – لا البيت ذي التفعيلات المتعددة – أساسا للنظم. ويختلف فيه عدد التفعيلات من بيت إلى بيت مع العلم أن كل شطر في هذا الشعر الحر هو بيت ، سواء أ كان فيه فيه تفعيلة واحدة أم عدة تفعيلات، يوزعها الشاعر حسبما تقتضي ذبذبات شعوره ودفعات عاطفته وخلجات قلبه.

بدأ الشعر العربي يتغير منذ بدايات القرن العشرين عندما تحول من الشعر الغنائ إلى الشعر الدرامي، فعرف القصة الشعرية والمسرحية الشعرية على يد خليل مطران وأحمد شوقي والأخطل الصغير. وكان الخروج على الوزن فيه يعد نتيجة طبيعية للمؤثرات الاجتماعية والثقافية من جهة، ولتطور القصيدة العربية من جهة أخرى. ولم يبق الوزن والقافية في الشعر الجديد على النحو القديم بل طرأ عليها تغير كبير، إذ تحولت أصناف الأدب من السجع والبديع إلى السهولة والبساطة. فلم يعد الوزن مرتبطا بتفعيلات متساوية العدد في شطرين حسب الطريقة القديمة الملتزمة في الشعر العمودي. يمكن أن نطلق على الشعر الجديد اليوم اسم “شعر التفعيلة” لأن ركيزته الأساسية هي التفعيلة.

 قال نسيب عرضة في قصيدته “النهاية”:

 كفنوه

وادفنوه

أسكنوه

 هوة الحد العميق

 واذهبوا لا تندبوه

فهو شعب ميت

 ليس يفيق

 فهاهنا جاء توزيع التفعيلات بحيث تكون واحدة تارة وتفعيلتين مرة ، وثلاثا مرة أخرى، وهذا قد يوحي من حيث الشكل – أنها من الشعر الجديد ، ولكن لو أعدنا ترتيب كلماتها في الكتابة لأصبحت كما يلي:

كفنوه  وادفنوه  أسكنوه  هوة  الحدة العميق

    واذهبوا لا تندبوه فهو شعب ميت ليس يفيق [2] 

وهنا يتضح لنا أنه موزون على بحر من البحور  الفراهدية مع تغيير جزئي. اختلف الباحثون في تحديد بواكير هذا الشعر. فقد اعتبر البعض احتجاج أ بي العتاهية على العروض التقليدية حينما قال: “أنا أكبر من العروض” هذه هي من المهدات الأولى للشعر الحر في الأدب العربي الحديث، وأنه بدأ الخروج على نظام التفعيلة والعروض. وذهب الباحثون بأن أصوله يرجع إلى الموشحات الأندلسية، ولكن هناك فريق أخر يعتبر أن أولياته نظمت في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين.   أما الفريق الأول فيزعم أن الموشحات هي أصل الشعر الحر. فيرى  أن الموشحات التي لا تسير على أوزان العرب المعروفة قد حطمت البحور العروضية وكثرت أوزانها واعتمدت على التفعيلات الملائة للألحان. وأما الفريق الثاني يرون ،أن بدايات الشعر الجديد ترجع إلى أواخر العقد الرابع من القرن العشرين، وفي مقدمهم نازك الملائكه. ويزعمون أن أول قصيدة في هذا المضمار  قصيدتها “الكوليرا” التي نشرت عام 1947م.  ويرى الدكتور منيف موسى: إن حركة الشعر الحديث لم تكن بدعا أو نشأت في مناخها الأصيل بل هي مزيج من تراث الشرق العربي وحداثة أوربا و الغرب. لذا لم يكن ثمة جديد في هذه الحركة. وإن كل ما قام به الشعراء النقاد موضوع هذه الدراسة. كان محاولة توفيق بين الذهنية الغربية والموروث العربي عبر الذهنية العربية. وإن عملية تحديث العربي كانت أصلية لمفاهيم عربية قديمة ولمفاهيم غربية حديثة ودمجها في بوتقة جديدة. كان لها مثيلها في تراثنا العربي في العصرين العباسي والأندلسي.[3] فقد أشارالأستاذ كاظم جواد أن أول محاولة للشعر الحر جاءت من قبل الشاعر المهجري نسيب عريضة في ديوانه “أرواح حائرة” الذي أصدره في عام 1920 وثانيها شاعر مصري خليل شيوب في قصيدته “الحديقة الميته” و”القصر البالي” نشرها في مجلة “الرسالة” في ديسمبر 1943م.[4] ويرى بعض الأدباء أن جميل صدقي الزهاوي كان هو الرائد الأول لحركة تحرير الشعر العربي الحديث في العراق من بعض قيوده وخاصة القافية. “[5]

ويقول: الأستاذ علي أحمد باكثير: وكانت للشاعر بدرشاكر السياب المحاولة الجدية في الشعر الحر في اكتشافه قدرة البحر “الكامل” في قصيدته ” السوق القديم” نشرت في جريدة ” النفير” البغدادية في نوفمبرعام 1948م.” [6]   

حاول عدد من الشعراء قبل نازك الملائكه أمثال عبد الوهاب البياتي، سعدي يوسف، كاظم جواد، رشدي العامل ، دوسي النقدي، بلند وصف الحيدري، يوسف الصائغ وخيرا عملاق قرض الشعر العربي الحديث. وأن نازك من أوائل من كتب الشعر العربي بشكله الجديد دون خلاف ونزاع. فقد بدأت حركة الشعر الحر في الشعر العربي المعاصر كحركة ذات شكل خاص ونظام خاص سنة 1947م في العراق وزحفت وسادت العالم العربي كله. والأغلب أن أول قصيدة حرة الوزن، قصيدة نازك الملائكه “الكوليرا” وهي من من الوزن المتدارك (الجنب). سمعت نازك عن وباء الكوليرا في مصر وبلغ عدد الموتى ألفا في يوم واحد ولم يتمكنوا عن الدفن طبقا للأعراف التقليدية لكثرة العدد فنقلت الخيول  لإيصالها إلى المدفن. فكانت نازك الملائكه تتخيل وقع أرجل الخيول فقالت:

 الموت- الموت- الموت

تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت

سكن الليل

 أصغ إلى وقع صدى الأنات

في عمق الظلمة ، تحت الصمت على الأموات

فقد طبعت هذه القصيدة في بيروت ووصلت إلى بغداد أول يناير 1947م وفي 15 يناير صدر ديوان بدر شاكر السياب   “أزهار ذابلة” وفيه قصيددة حرة الوزن من بحر الرمل “هل كان حبا”. [7]  وفي صيف 1947م صدر ديوان نازك الملائكه “شظايا ورماد” فيه قصائد حرة. فأثارت ضجة عنيفة عارمة. وضعت بعض البحورالخليلية التي تصلح لهذا الشعر وبينت موضع اختلافه عن الشطرين.

 وقد عرف الشعر الحر كالتالي:

  1. وهو لا يتقيد بقافية واحدة ولا بحر تام، ويقيم القصيدة على التفعيلة عوضا عن الشطر.
  2. هو الذي لا يخضع لسلطان القافية والتفعيلات ، فللشاعر  أن يستعمل من التفعيلات في البيت الواحد ما يشاء على أن لا تعدى الأربع في العادة. وله حرية واسعة في ترتيب قوافي القصيدة بحيث تكون متشابكة أو متلاحقة أو منطلقة.   

 من هذا تبين أن الشعر الحر متنوع القوافي متمرد على عدد التفعيلات الثابت في البيت الواحد بينما الشعر المرسل متحرر من القوافي ويلتزم عددا معينا من التفعيلات يتوقف على رغبة الشاعر. وعندما بدأت حركة “الشعر الحر” في أواخر الأربعينات إنها لم تكن إلا ثورة على الأشكال الشعرية التقليدية التي كانت رائجة لدى الشعراء الكلاسيكيين بين الحربين العالميتين. وقد ظلت مضامين تجاربهم الأولى في الشعر الحر رومانتيكية بصورة رئيسية. فموضوعها إما الحب أو عالم الأحلام. فقبل الشعراء بهذه التجربة ووصفوها بأنها طريقة مقبولة في التعبير الشعري. وقالت نازك الملائكه: “إنها ليست حركة التجديد بل تعديل في نظام من أجل ما يلائم التعبير الجديد. لذلك سمي ” الشعر الحر” أي الشعر الذي تحلل من قيود الأوزان العروضية ومن نظام القوافي”.[8]  تدخل فيه بحور عديدة من البحور العربية السته عشر, وقد رسمت الخطوط العريضة لمرحة شعر التفعيلة بالآتي:

  1. الفلسفة الجمالية: فالشاعر المعاصر صنع لنفسه جمالياته الخاصة وابتكرها ابتكارا. وفي الماضي كانت مفروضة عليها فرضا.
  2. إن الشاعر تكاملت ثقافته في هذا العصر من جميع جوانبها سواء ما كان دينيا أو فلسفيا أو علميا. لقد استوعب الثقافة الإنسانية وتبلورها وحدد موقفه منها ثم انعكس ذلك كله في شعره.
  3. إن الشاعر في هذه الفترة تعايش مع قضايا أمته وانفعل بها ولم يقف منها موقف المتفرج المصور.
  4. إنه الشاعر الثائر الذي شارك في الخبرات الاجتماعية لمجتمعه من جميع النواحي وتأثرها.
  5. والشاعر لم يتقيد بقالب الشعر التقليدي الذي ينبغي أن يحشر فيه المضمون الفكري، وإنما ترك المضمون يحقق لنفسه بنفسه وبشكل عفوى الإطار المناسب.

ولا يرغب شاعر الشعر الحر بأن يلتزم بالقوافي بالضرورة ولكن إذا أتت القافي طبيعيا وتلقائيا فلا يمنعها ولا يتجنبها. وقد أشار إليه بدر شاكر السياب:إن ترنيمة موسيقية تنشأ بنفسها وتجعل الشعر جميلا. كما نجدفي قصيدة “نهاية السلم” لنازك الملائكه. وهي تقول :

عد بعد لقاء

 يمنحنا أجحنة تجتاز الليل بها

 فهناك فضاء

خلف الغابات الملتفات هناك بحور

 لا حد لها ترغي وتمور

أمواج من زبد الأحلام تقبلها

 أيد من نور

 لا شئ سوى الصمت الممدود

 فوق الأحزان

لا شيئ سوى رجع نعسان

يهمس في سمعي ليس يعود

 لا، ليس يعود

 ويقول  بدر شاكر السياب في قصيدته” النهر والموت”

 بويب…….

بويب…….

أجراس برج ضاع في قرارة البحر

 الماء في الجرار، والغروب في الشجر

 وتنضح الجرار أجراسا من المطر

 بلورها يذوب في انين

بويب…. يا بويب

 فيدلهم في دمي حنين

إليك با بويب  [9]    

دوافع الشعر الحر:

شهدت الفترة  ما بعد الحرب العالمية الثانية تطورا ملموسا في جميع أصناف الأدب العربي بما جاء يتمثل في اتساع افقه بحيث أصبح يشمل الحياة بمختلف مجالاتها. فأخذ الشعراء يطالعون الأدب الغربي وتأثروا به تأثرا عميقا. سافر بعضهم إلى البلدان الغربية وقضوا فترة من حياتهم واستفادوا من آداب الغرب، ورحبوا بجميع الثقافات الغربية واكتشفوا مدرسة جديدة في الفكر والأدب. أما عوامل التي دفعت الشعراء الجدد إلى اعتماد طريقة جديدة في نظم الشعر فهي كما يرى تتلخص في أثر الثقافات الغربية أو النظريات الحديثة في الأدب والفنون السائدة عند الغربيين على الشعراء العرب المعاصرين. وكانت هذه نتيجة طبيعية لإطلاعهم على تلك النظريات. ويعترف زعماء الشعر الحر بأنفسهم بأنهم قد تأثروا بشعراء الغرب حتى في طريقة كتابة قصائدهم. أراد شعراء الغرب وعلى رأسهم وردزورت ان يبدوا طريقة جديدة للخروج على المذهب الكلاسيكي السائد في ذلك العصر وقدموا أمام الناس خصائص الشعر الجديد. ودعوا إلى استخدام اللغة اليومية التي يتحدث بها الناس لأنها أصدق تعبيرا وأقرب إلى مشاعر الناس وأحاسيسهم الذين يخاطبهم الشاعر وأحثوا إلى ترك بعض المصطلحات الكلاسيكية التي كانت غير ملائمة وفقدت قوة ايحائها. كما قالت نازك الملائكه ” في الشعر كما في الحياة يصح تطبيق عبارة برنادشو” اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية” لأن الشعر وليد أحداث الحياة، وليست للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب احداثها، ولا نماذج معينة للألوان التي تتلون بها أشياؤها وأحاسيسها. ولم يتجه الشعراء إلى الطريقة الحديثة هربا من العمود الشعري القديم وعجزا منهم عن التعبير به عن تجاربهم وإنما لأن الشعر الحديث ينسجم مع ذوق العصر وروحه”. [10]  

الشعر الحر بين مؤديه ومعارضه:

يعتقد مؤيدو الشعر الحر أن في بعض الأحيان تقع أحداث في الحياة يصعب التعبير عنها بالتزام الأوزان والقوافي وهذا ما يخلق في قلوبهم الإحساس بالضيق والملل. وهم يرون أن إذا حاولوا التعبير عما يختلج في نفوسهم بدون التزام البحور والأوزان فيمكن لهم أن يصفوا مشاعرهم وأحاسيسهم بطريقة أكثر سهولة ووضوحا. وهكذا ينص رأى نازك الملائكه على الحرية الفنية والأدبية والإجتماعية في الشعر، بل في الفن إذا جاز التعبير. ولا يمكن أن نحدد للشاعر خطه ومسار شاعريته. فالحياة غنية والكون رحب فسيح والشاعر حر طليق في اختيار موضوعاته. وله الحرية في التعبير عما يريد ويعرب عن خلجات قلبه. ومن المعروف أن تجربة الشعر الحر قوبلت بمارضة شديدة من مؤيدي الشعر الكلاسيكي فوجهوا نقدا لاذعا إلى هذه التجربة الجديدة ورأوا أنها بدعة تودي الجيل الناشئ إلى الضلال تتبنى حركة خارجة عن الأوزان  العربية التقليدية. فقال بعضهم: ” إن السباب مولع بالاغراب والشذوذ. وقال آخرون إن الجيل الجديد كسول يضيق بالجهد ولا يصبر على متاعب الشطرين وأهوال القافية الموحدة فتلجأ إلى السهولة. وقالت جماعة أخرى إن الحركة بمجملها منقولة عن الشعر الأوربي ولا علاقة لها بالشعر العربي.  وصف الباحثون والنقاد الشعر الحر بأنه ولد غير شرعي لا علاقة له بالشعر العربي ولا توجد فيه الروح الشرقية. دافعت نازك الملائكه الشعر الحر  وأوضحت لا يصلح للمطولات لأن موسيقاه أقل من موسيقى الشطرين والمطولات تحتاج إلى الغنائية التي تساعد القاري على تقبيل قصيدة طويلة فيها فلسفة ومشاعر معقدة متضاربة. إن الأوزان الحرة رتيبة ولذلك استعمله للقصائد القصيرة فحسب، أما المطولات فلابد من شعر الشطرين الذي يحتمل الإطالة ويكسوها بالموسيقى والصور. [11]  

ويعد الرواد الأوائل لهذه التجربة الجديدة أنها تطورت على أيدى توفيق الصائغ  وجبرا إبراهيم جبرا ومحمد الماعوط وأدونيس وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وغيرهم. ويذكر كاظم جواد أن صاحب أول محاولة بدائية في الشعر الحر هو الشاعر المهجري نسيب عريضة الذي أصدر ديوانه “أرواح حائرة” في سنة 1920م.[12] إن صاحب الثاني محاولة جرئية في الشعر الحر هو الشاعر المصري خليل شيوب الذي نشر قصيدته “الحديثة الميتة” و”القصر البالي” في مجلة الرسالة في سنة 1943م. ويمكن أن نستخلص من الأراء المتضاربة حول الريادة في تجربة الشعر الحر أن بدر شاكر السياب هو أول من بادر في نظم الشعر الحر في العراق بينما نازك الملائكه سبقته في نشر قصيدتها “الكوليرا” من هذا النوع الجديد. أما الشاعر المصري صلاح عبد الصبور فهو أيضا من أهم الشعراء الذين ساهموا في تطوير وترويج الشعر الحر من خلال ديوانه العديدة. وهي “الناس في بلادي أصدره في عام 1957م و”أقول لكم” في سنة 1961م و”أحلام الفارس القديم” عام 1964م و “تأملات في زمن جريح” عام 1970م  و “شجر الليل” عام 1977م و “الأبحار في الذاكرة ” عام 1979. ومن قصائده  التي كتبها في الشعر الحر تحظي قصيدة ” أول جندي رفع العلم في سيناء” وعالج فيه موضوع حرب عام 1973م التي حققت فيها القوات المصرية الانتصار على الجيش الإسرائيلي بإعجاب وتقدير كبير وفيما يلي مقطوعة منها:

 تمليناك حين أهل فوق الشاشة البيضاء

 وجهك يلثم العلما

 وترفعه يداك

 لكي يحلق في مدار الشمس

حر الوجه مقتحما

 ولكن كان هذا الوجه يزهر ثم يستخفي

 ولم ألمح سوى بسمتك الزهراء والعينين

 ولم تعلن لها الشاشة نعتا لك أو اسما

 ولكن كيف كان اسم هنا لك يحتويك

 وأنت في لحظتك العظمى

 تحولت إلى معنى كمعنى الحب، معنى الخير

 معنى النور، معنى قدره الأسمى

ومن القصائد الهامة الأخرى لهذا الديوان “إلى أول مقاتل قبل تراب سيناء” و “الموت بينهما”  كما أن عبد الوهاب البياتي وهو أكثر الأصوات الشعرية تميزا هو المنافس الآخر لريادة الشعر الحر. فنشر ديوانه الأول “ملائكه وشياطين” عام 1950م  وهو 23 عاما من عمره.  وهو بلون تقليدي لا يضيف جديا إلى حركة الشعر الحر في العراق. ولكن ديوانه من أمثال “أباريق مهمشة” و”عشرون قصيدة من برلين” و”سفر الفقر والثورة” و “والمجد للأطفال والزيتون” و” الذي يأتي ولا يأتي” و”أشعار في المنفى ” و”الموت في الحياة” جعلت اسمه تكملة لا بد منها لمؤسسى حركة الشعر الحر في العراق.

ملخص البحثإن حركة الشعر الحر ظهر ت نتيجة للتأثر المباشر بالأداب الغربية. أحدثت  هذه الحركة في الأوساط الأدبية ضجة كبيرة  وجاءت بتغيير كبير  واضح في الشعر العربي الحديث. إن الشعر الحر ما زال ينمو ويتطور في وجه الأراء المؤيدة والمعارضة له. والحقيقة أن أدبا أو لغة ليست شيئا جديدا ولكنهما يزخران بقوة طبيعية للنمو والتطور والتغيير والتأثر والتأثير. ومن هذا المنظور لا نرى شيئا غريبا في تجربة الشعر الحر في الأدب العربي. أما خصائص الشاعر الحر فلا تقل أهميته عن غيرها من خصائص المدارس الشعرية، بل ربما كان هذا اللون من الشعر أكثر تحقيقا لبعض العناصر التي لم تتوفر في الأنماط الشعرية الأخرى كالوحدة العضوية.  فإن شعراء  الشعر الحر قد نجحوا في تحقيق الوحدة العضوية  وفي  الموسيقى الداخلية والمناسبة بين الألفاظ والمعاني، لأنهم  يعتقدون أن الشعر لا يحدد ولا يقاس ولا يوزن إذ أنه تعبير عن الحياة، والحياة لا حدود لها ولا مقاييس.

المراجع والمصادر


[1] قبش، أحمد. تاريخ الشعر العربي الحديث. ص :7

[2]  تاج الدين، محمد أيوب الندوي. شعر العرب من النهضة إلى الانتفاضه. ص : 37

[3] موسى، د .منيف. نظرية الشعر  . ص 526

[4]   صديقي، د. فرحانة .نازك الملائكه. ص:  134

[5]   موسى، د .منيف. ص 432 

[6]   النزعات الجديدة في الشعر العربي الحديث: قسم اللغة العربية وآدابها،جامعة عليكره الإسلامية ص: 12 

[7]   نفس المصدر ص 14

[8]  نازك الملائكة.قضايا الشعر المعاصر. ص: 189

[9]  عباس،احسان.  بدر شاكر السياب، دراسة في حياته وشعره. ص: 143-136 بيروت ، 1969م.

[10]   ، نازك الملائكة. مقدمة ديوان : شظايا ورماد ص: 7

[11]   نفس المصدر ص: 8

[12]   صديقي، د. فرحانة .ص: 148

(أستاذ مساعد، ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها جامعة عالية- كولكاتا، الهند)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *