وقوع صيغة “مُفْتَعَل” مصدرا ميميا واسمَ مفعولٍ في قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة لمحمود سامي البارودي

د. بلو محمد ، مصطفى محمد كبير

ملخص الدراسة

إن هذه المقالة عبارة عن “وقوع صيغة “مُفْتَعَل” مصدرا ميميا واسمَ مفعولٍ في قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة لمحمود سامي البارودي”،وتهدف إلى دراسة الألفاظ الواردة في القصيدة بهذه الصيغة لتكشف النقاب الوهميَّ الذييمكن أنتؤدي إليه محاولةُ التفريق بينهما، ويكمن منهجهافي ذلك في استقراء الشواهد واستخراجها، ثم دراستها دراسة صرفية، وقد أدركت المقالة خلال التتبع للشواهد أن محمود سامي البارودي وظَّف هذه الألفاظ في القصيدة، وأن العدد الوارد فيها لها واحد وأربعون: واحد وثلاثون منها مصادرُ ميميةٌ، والعشر الباقي أسماء المفاعيل.

المقدمة

إن البارودي هو محمود سامي الجركسي المصري، الأديب الشاعرومجدد الشعر العربي، ورائد النهضة الشعرية المعاصرة، وزعيم مدرسة البعث والإحياء، والقنطرة بين عصر الانحطاط وعصر النهضة.

ولد في اليوم السادس من شهر أكتوبر عام ثمان وثلاثين وثمانمائة وألف من الميلادفي حي باب الخلق بالقاهرة بمصر لأبوين في بيت مؤثّل وأسرة ثرية من الجراسكة[1]  وكان أبوه حسن حسني بِكْ البارودي من أمراء المدفعية في عهد محمد علي باشا والي مصر، وكان جده لأبيه عبد الله بِكْ الجرسكي كشافا، وكان أحد أجداد الشاعر مراد بن يوسف شاويش ملتزما في العصر العثماني لبلدة (آيتاي البارود) إحدى بلاد محافظة البحيرة ، ومن ثَمَّ لُقِّب جدُّه مراد بالبارودي نسبة إليها.

توفي والده وهو ابن سبعِ سنوات، فذاق طعم الحرمان منذ الصغر،لكنه أبى على نفسه إلا أن يكون فارسًا كأبيه مع ما عانى من مصاعب الحياة.[2]

تلقى دروسه الأولية في البيت حتى بلغ الثانية عشر من عمره، فأخذ مبادئ العلوم على أساتذة كانوايحضرون في منزله، ثم التحق بالمرحلة التجهيزية من “المدرسة الحربية المفروزة” عام 1851م وانتظم فيها يدرس فنون الحرب، وعلوم الدين واللغة والحساب والجبر، وتخرج فيها في السادسة عشرة من عمره، وقد قيل إنه تعاطى صناعة الشعر في أثناء دراسته، ولم يستطع استكمال دراسته العليا، والتحق بالجيش السلطاني.[3]

وقدتجلت مواهبه الشعرية في سن مبكرة بعد أن استوعب التراث العربي وقرأ روائع الشعر العربي والفارسي والتركي.[4]

ويمتاز البارودي بشخصية امتلكت عدة مواهب ومكارم ما تيسرت لغيره من معاصريه، فقد كان فارسًا وقائداً وشاعراً وذا نسب شريف، ومجدداً للأدب العربي الحديث ورائداً له في وقت انخمدت فيه نار الشعر وانحطت منزلته، وصار كلفةً من صور البديع والمحسنات، على عدة قرون اتسمت بعصر الانحطاط.[5]

فهو شاعر أتى في هذه الفترة الراكدة وشكّل حلقة وصلٍ بين التراث العربي القديم الذي بدأ ينهار بعد سقوط دولة بني العباس وبين العصر الحديث الذي تفجرت طاقاته بالنهضة العلمية والفكرية التي سادت أوروبا، والتي بدأت إرهاصاتها في مصر في القرن التاسع عشر.[6]فقرأ المئات من قصائد الجاهلين والمخضرمين وفحول المحدثين، ولا يُعرف أحد بين أبناء جيل البارودي أو أبناء الجيل الذي تلاه قرأ مثل ما قرأ من دواوين العرب واستفاد من صياغتها كما استفاد.[7]

وقد عزل الباروديَّ رئيسُ الوزراء بعد عودته من حرب البلقان ليجد حركة الجيش التي مهدت للثورة العرابية، لتعاطفه مع الثورة، فذهب الريف معتزلًا الحياة السياسية، فثَمَّ سطَرَ أروع قصائده، منها قصيدته المطوّلة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم،وقد خلّف ديوان شعره الضخم، الذي عكف على تنسيقه وترتيبه ومراجعته وشرح غريبه والتعليق عليه قبل وفاته،[8] ومن أعماله الأدبية الهامة المختارات التي جمعها من عيون الشعر العربي في أربعة أجزاء، اختارها البارودي لثلاثين شاعرًا من كبار شعراء العصر العباسي، قام هو بشرحها والتعليق عليها، وأخيرًا تلك المختارات من النثر التي سماها “قيد الأوابد” والتي جمع فيها عيون الرسائل والخطب والتوقيعات.

وتوفي محمود سامي البارودي في 12 ديسمبر 1904م بعد سلسلة من الكفاح والنضال من أجل استقلال مصر وحريتها وعزتها.[9]

أما عن قصيدته التي كانت مادَّةَ هذه المقالة (قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة) فهي قصيدة في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذكر سيرته قبل ولادته وبعدها ورضاعته، وما حدث قبل بعثته من أمانتهوإرهاصاته ومعاملته مع الناس، وبعثته، وما جلب ذلك له من الأعداء،ومعجزاته، ودعوته، واستجابة بعضٍ له وإباءة بعض، وهجرته، وغزواته، وانتصاراته على الذين عادَوْه، وغير ذلك، والقصيدةفي سبعة وأربعين وأربعمائة بيتٍ،من بحر البسيط، وهي ميمية القافية.

فالمقالة ستحتوي على النقاط التالية:

  • مفهوم المصدر الميمي
  • صياغته من الثلاثي، ومما فوق الثلاثي
  • مفهوم اسم المفعول
  • صياغته من الثلاثي، ومما فوق الثلاثي
  • صيغة “مُفْتَعَل” واردةً مصدرا ميميا في القصيدة
  • صيغة “مُفْتَعَل” واردةً اسمَ مفعولٍ في القصيدة
  • الخاتمة
  • مفهوم المصدر الميمي:

إن صيغة “مُفْتَعَل” من الأوزان الصرفية التي يشترك فيها المصدر الميمي واسم المفعول، أما عن مفهوم المصدر الميمي فيُعَرَّف بأنه مصدر مبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة، مصوغ من المصدر الأصلي للفعل، يعمل عمله ويفيد معناه، مع قوة الدلالة وتأكيدها.[10] وعرفه آخر بأنه المصدر الذي بدئ بميم زائدة ودل على الحدث، مثل:”مَلْمَس، مفْحَص، مَوْعِد، مُرْتَقى، مُلْتقى، مُعْتَقَد” إذا جاءت في الجملة بمعني المصدر الأصلي، فتكون بمعنى “لَمْس، فَحْص، وَعْد، ارتِقَاء، الْتِقاء، اعْتِقَاد”.[11]

صياغته من الثلاثي، ومما فوق الثلاثي:

وهو يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي مطلقا، غير المضعف مهما كانت صيغته، على وزن”مفعل” بفتح العين؛ نحو: ملعب، ومسقط، ومصعد، إلا في حالة واحدة؛ فإنه يكون فيها على وزن “مفعل” بكسر العين؛ وهي:

أن يكون الثلاثي معتل الفاء بالواو، صحيح الآخر، تحذف فاؤه في المضارع عند كسر عينه؛ نحو: موصل، موعد، موضع، موثق، مورد؛ فإن كان صحيح الفاء، أو معتلها بالياء، أو معتل الفاء واللام، أو غير مكسور العين في المضارع؛ كوجل، فصيغته “مفعل” بالفتح، وشذ: المرجع، المصير، المعرفة، المغفرة، المجيء، المسير، المشيب، المعصية، المعيشة، المعذرة، المقدرة. وقد رود فيها الفتح على القياس.

ويصاغ من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول وزن المضارع، مع إبدال أوله ميمًا مضمومة، وفتح ما قبل الآخر إن لم يكن مفتوحا؛ نحو: معرف، متعاون، مكرم، من عرف، وتعاون، وإكرام.

هذا: والمصدر الميمي يلازم الإفراد، ولا تلحقه تاء التأنيث إلا سماعا؛ نحو: المحبة، والمودة، والمسرة، والموعظة. وقد ترد صيغة “مفعلة” لبيان سبب الفعل؛ ومن ذلك قوله- عليه السلام: “الولد مبخلة مجبنة محزنة”[12] وذلك مقصور على السماع، كما ترد هذه الصيغة للدلالة على مكان كثرة مسماها؛ نحو: مأسدة، ومسبعة، ومفعاة؛ أي مكان تكثر فيه: الأسود، والسباع، والأفاعي، وقد أجاز المجمع اللغوي أن تصاغ “مفعلة” قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول، للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان، أم من النبات، أم من الجماد.[13]

وأوفق موضع يمت إلى هذه المقالة بصلة من هذه الأوزان المذكورة هو أوزان المصدر الميمي من غير الفعل الثلاثي لكونها تخص المصادر الميمية المصاغة على وزن “مُفْتَعَل”.

مفهوم اسم المفعول:

وأما اسم المفعول فهو اسم مشتق يصاغ من مصدر الفعل المبني للمجهول؛ للدلالة على معنى مجرد حادث، وعلى من وقع عليه هذا المعنى.[14]

فيُفهم من ذلك أن اسم المفعول هو ما تحققت له الصفات التالية:

أ- أن يكون وصفا، وهو بذلك يشترك مع كل الأسماء المشتقة الدالة على الوصف.

ب- أن يكون مأخوذة من الفعل المبني للمجهول، وبذلك يتميز عن اسم الفاعل.

ج- أن يكون دالا على من وقع عليه الفعل، وبذلك يتميز عن كل أسماء الأوصاف مثل “مَحْمُود، مَكْرُوه، مَذْمُوم، مُنْتَقى، مَكرَّم”.[15]

صياغته من الثلاثي، ومما فوق الثلاثي:

هو من الثلاثى على زنة مَفْعُول كمَنْصور، وموعود، ومَقُول، ومَبيع، ومَرْمِيّ، ومَوْقِيّ، ومَطْوِي، وقد يكون على وزن فَعيل كقَتيل وجريح. وقد يجيء مفعول مرادًا به المصدر، كقولهم: ليس لفلان مَعْقُول، وما عنده مَعلوم: أى عَقْل وعِلم.[16]

ويقول في ذلك ابن مالك:

وفي اسم مفعول الثــلاثيّ اطّرد * زنة مفعول ٍ كآتٍ من قصد

وناب نــــــــــــــــــــقلا ً عنه ذو فعيل * نـــــــــــــحو فتاة أو فتى كحيل[17]

وأما من غير الثلاثيِّ، فيصاغ بوزن المضارع مع قلب حرفالمضارعة ميما مضمومة وفتح ما قبل الآخر، مثل “مُقَدَّم، مُشَارَك، مُعَاد، مُسْتَفَاد، مُقَام”.[18]

فيُفهم مما سبق أنَّالمصدر الميمي واسم المفعول يشتركان في صيغةٍ من الصيغ، وذلك “مُفْتَعَل” لكون كليهما مُصاغًا من فوق الفعل الثلاثي على زنة مضارعه بإبدال حرف المضارَعة ميما مضمومة وفتح الحرف الذي قبل الآخر إن لم يكن مفتوحا في أول وضعه، فعلى ذلك فإنه من الممكن أن يردافي مورِد واحد فيتشابهان على القارئ فيحار في التفريق بينهما، ولذلك تهدف هذه المقالة إلى حل هذه المشكلة في قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة لمحمود سامي البارودي.

صيغة “مُفْتَعَل” واردةً مصدرا ميميا في القصيدة:

استخدم الشاعر صيغة “مُفْتَعَل” مصدرا ميميا ثلاثين مرة في القصيدة، بعضها في قوافيهامضافةً إلى نوائب عن المفعول المطلق، كما في قوله:

تَجَمَّعَت فِرَقُ الأَحلافِ وَاقتَسَمَت  ** بِناءَهُ عَن تَراضٍ خَيرَ مُقتَسَمِ

فلفظ “مقتسم” مصاغ على وزن “مفتعل” على أنه مصدر ميمي مشتق من فعل ثلاثي مزيد بحرفين (ا ت)، فمجرده “قسم” بمعنىجزأه وجعله نصفين وأخذ كل منهم نصيبه منه،[19] على وزن “فعَل” من باب ضرب، فزيد فيه الحرفان فصار “اقتسم” على وزن “افتعل” بنفس المعنى، يقال: اقتسم الإخوةُ الميراثَ إذا أخذ كلُّ واحدٍ نصيبَه منه،[20] فصيغ الفعل بتحويله إلى مضارعه مع إبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وفتح الحرف الذي قبل الآخر فصار “مُقتسَم”، بينما المصدر الذي يقضيه القياس أن يقال: “اقتسام” بدلا من “مُقتسَم” لو لم يكن مصاغا على أنه مصدر ميمي.

ومنه أيضا قوله:

تَسابَقوا طَلَباً لِلأَجرِ وَاِختَصَمُوا ** فِيمَن يَشُدُّ بِناهُ كُلَّ مُختَصَمِ

فلفظ “مُختصَم” مصاغ من الفعل “اختصم”، وهو فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء، مجرده “خصم”أي غلب بالحُجّة،[21] فزيد فيه الحرفان فأفاد اشتراك طرفين أو أكثر في الخصومة، فصيغ صياغةَ المصدر الميمي من غير الثلاثي، فصار “مختصَم” في حين أن قياس مصدر الفعل يقتضي أن يكون “اختصام” على وزن “افتعال”.

ومنه أيضا قوله:

حَتّى اسْتَجابَت لَهُ الأَنصارُ وَاعْتَصَمُوا ** بِحَبلِهِ عَن تَراضٍ خَيرَ مُعتَصمِ

فـــــ”مُعتصَم” مصدر ميمي مصاغ من “اعتصم”، ومجرده “عصم” يقال: عصمإليه إذا لجأ وعصم الله فلانا من الشر أو الخطأ،أي حفظه ووقاه ومنعه،[22] ويقال عصم الشيءَ إذا منعه، فزيد فيه فأفادته الزيادة المبالغة في اللجوء والامتناع، فصيغ المصدر من مضارعه، كما جرت تلك العادة، وقياس المصدر أن يقال “اعتصام” على وزن “افتعال”.

ومنه قوله:

وَبادَهُوا أَهلَ دِينِ اللَهِ وَاهتَضَمُوا ** حُقُوقَهُم بِالتَّمادِي شَرَّ مُهتَضَمِ

إن لفظ “مُهْتَضَم”مصدر ميمي مشتق من “اهتضم”، واستعمل الشاعر المصدر الميمي عندما كان القياس مقتضيا أن يكون “اهتِضام”، لأنه مشتق من “اهتضَم”، ومجرده “هضم”، يقال:هضمه هضما من باب ضرب إذا دفعه عن موضعه أو نقصه حقه،[23]فزيدفيه الهمزة والتاء لإفادة التأكيد.

ومنه قوله:

حَتّى إِذا تَمَّ أَمرُ الصُلحِ وَاِنتَظَمَت ** بِهِ عُقودُ الأَماني أَيَّ مُنتَظَمِ

فلفظ “مُنْتَظَم” مصدر ميمي مشتق من “انتظَمَ”، فهو فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء، مجرده “نَظَمَ”، يقال:نظم الخرز نظما من باب ضرب إذا جعله في سلك،[24]وأفادت الزيادة المطاوعة، يقال نظمه فانتظم أي طاوعه في ذلك، فالمصدر “انتظم” يقتضي أن يكون “انتظام” على وزن “افتعال”.

فلعلَّ الشاعر لجأ إلى استخدام هذه المصادر الميمية بصيغة”مُفْتَعَل” لتسنح له فرصة تكملة أوزان أبياته دون انكسار يعاب عليه، ومن المصادر الميمية استعملها في مواقفَ أخرى قوله:

ثُمَّ استَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ مُعتَزِمًا ** يَدعُو إلى رَبِّهِ في كُلِّ مُلتَأَمِ

فلفظ “مُلْتَأَمِ” مصدر ميمي، مصاغ من “الْتَأَمَ”، وهو فعل ثلاثي زيد فيه الهمزة والتاء، ومجرده “لَأَمَ”، فلما كان بزيادته ذا أكثر من ثلاثة أحرف صيغ المصدر بتحويل الفعل المزيد إلى مضارعه، فأُبدل حرف المضارعة فيه ميما مضمومة، وفتح الحرف الذي قبل الأخير، فصار “مُلْتَأَم”، فالمراد بقوله “في كل ملتأم” هو “في كُلِّ الْتِئَامٍ” أي كل اجتماع، يقال: التأم المتظاهرون إذا اجتمعوا واتّفقوا واحتشدوا وتجمهروا.[25]

ومنها قوله:

فَمَدحُهُ رَأسُ مالي يَومَ مُفتَقَرِي ** وَحُبُّهُ عِزُّ نَفسي عِندَ مُهتَضَمِي

في هذا البيت شاهدان للمصدر الميمي، أولهما: “مُفتَقَر”، والثاني: “مُهتَضَم”، وسبق بيانٌ في مثل اللفظ الثاني، أما الأول (مُفتَقَر) فمصدر ميمي اشتق من فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء (افْتَقَر)، مجرده “فقُرَ يَفقُر” من باب كرُم، يقال: فقُر الرَّجلُ إذا ذهب مالُه، وعكسه “غنِي”، فلما زيد فيه الحرفان أفادته الزيادةُ الصيرورة، يقال: افتقر التَّاجرُ، أي صار فقيرًا قليلَ المال،[26]فالذي يريده الشاعر في البيت بقوله: “يَومَ مُفتَقَرِي” هو “يوم افتقاري”، ولما كان الفعل زِيدَ في حروفهفكانت أكثر من ثلاثة، صيغ منه المصدرُ الميميُّ بتحويله إلى مضارعه وإبدال حرف مضارعه ميما مضمومة وفتح حرفه الذي قبل الأخير فصار كما استُعمل في البيت.

ومنها قوله:

وَامنُن عَلى عَبدِكَ العانِي بِمَغفِرَةٍ ** تَمحُو خَطاياهُ في بَدءٍ وَمُختَتَمِ

لفظ “مُختَتَمِ” مصدر ميمي مشتق من “اختتم”، والفعل ثلاثي الحروف أصلا، لأن مجرده “ختم” بمعنى بلغَ آخر شيءٍ،[27] فزيد فيه الهمزة والتاء فصار “اختتم” على وزن “افتعل”، ثم صيغ منه المصدر الميمي من مضارعه، وأُبدل حرف المضارعة ميما مضمومة، وفتح الحرف الذي قبل آخره،فالمراد بالمصدر الميمي “مُـخْتَتَم” هنا “اختِتَام”.

صيغة “مُفْتَعَل” واردةً اسمَ مفعولٍ في القصيدة:

استعمل الشاعر صيغة “مُفتعَل” في الديوان اسمَ مفعولإحدى عشرة مرة، منها قوله:

قَد كانَ في مَلَكوتِ اللهِ مُدَّخراً ** لِدَعوَةٍ كانَ فيها صاحِبَ العَلَمِ

فلفظ “مدَّخَرًا” في البيت اسمٌ مفعول مصاغ من فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء “ادَّخر”، ومجرده “دخَر” من باب “فتح” يقال: دخَر الشَّخصُ، أي صَغُرَ وذلَّ وهانَ وخضع[28] ومنه قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين”[29]أي: صاغرين،[30] فزيد فيه الهمزة والتاء فصار “اتْدخر”، وأُدغم التاء في الدال فصار “ادَّخر”،[31]فلما كان بالزيادة فعلا خماسيَّ الحروف، صيغ بتحوله إلى مضارعه، وأُبدل حرفُ المضارعة ميما مضمومة، وكسر الحرف الذي قبل آخره فصار “مُدَّخَرًا” على وزن “مفتعل” أي حتفظًا لوقت الحاجة إليه.

ومنه قوله:

إِلفانِ ما جَمَعَ المِقدارُ بَينَهُما ** إِلّا لِسِرٍّ بِصَدرِ الغَارِ مُكْتَتَمِ

فلفظ “مُكتَتَم” اسم مفعول مصاغ من “اكتتم”، فهو إذًا فعل ثلاثي زِيدَ فيه الهمزة والتاء، مجرده “كَتَمَ”، ومضارعه “يكتُم” و”يكتِم”[32] فهو إذًا بالنسبة لمضارعه من باب “نصر” و”ضرب”، يقال: كتَم الخبرَ إذا أخفاه ولم يفشه وكان شديد التَّحفّظ عليه،[33] ومنه قوله تعالى “وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ”[34] فزيادة الهمزة والتاء في الفعل تفيده المطاوعة، يقال كتمه فاكتتم، فـــ”مُكتَتَم” في البيت صفة لــــ”سِرٍّ”، فالمراد بسر مكتتم، يعني “سِرٌّ اكْتُتِم” فهو اسم مفعول.

ومنه قوله:

وَغَزوَةٌ سارَ فيها الـمُصطَفى قُدُماً ** إِلى بُواطٍ بِجَمعٍ ساطِعِ القَتَمِ

لفظُ “المصطفى” اسم مفعول مصاغ من “اصْطُفِى”، فهو فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء، ومجرده: “صفى” أي تخلَّص من الكدر[35]فزيد فيه الحرفان فصار “اصتفى” فأبدل التاء طاء[36]يقال: اصطفاه إذا فضله واختاره،[37] ومنه قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ”،[38] فقوله: “المصطفى” يعني الذي اصطُفِيَ، وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومنه قوله:

أَمْ كَيْفَ يَخْذُلُنِي مِنْ بَعْدِ تَسْمِيَتِي ** بِاسْمٍ لَهُ فِي سَمَاءِ الْعَرْشِ مُحْتَرَمِ

إن لفظ “مُحْتَرَم” اسمُ مفعول على وزن “مُفْتَعَل”، وهو مشتق من “احترم”، فهو فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء، ومجرده “حرُم”،يقال:حرم الشيءُ حرما، إذا امتنع فعله،[39]فلما زيد فيه الحرفان أفاد معنًى آخر، يقال: احترمه إذا كرّمه وأكبره، وهابه، ورعى حرمتَه، وأحسن معاملتَه حبًّا ومهابة،[40] فاللفظ بهذا المعنى لم يَرِدْ له مجردٌ، فاستعمال الشاعر في البيت لفظَ “مُـحْتَرَم”وصفًا لـــ”اسمٍ” يعني:اسمٌ يُحتَرَمُ.

ومنه أيضا قوله:

تابَعتُ كَعباً وَحَسّاناً وَلِي بِهِما    ** في القَولِ أُسوَةُ بَرٍّ غَيرِ مُتَّهَمِ

لفظُ “متَّهَم” في البيت اسمُ مفعول مشتق من “اتَّـهم”، وهو فعل ثلاثي مزيد بالهمزة والتاء، ومجرده “وهم” من باب ضرب (يقال: وهَم يهِم وهْمًا)، ومن باب فرِح (يقال: وهِم يوْهَم وهَمًا)، يقال: وهَم في الصَّلاة، إذا غلط فيها وسها،[41]زيد فيه الحرفان فأبدلت فاءُ الكلمة (الذي كان واوا) تاءً، وأدغمت في التاء الزائدة، فصار “اتَّـهم” بدلَ “اوْتَهَم”، فصيغ منه اسم المفعول من مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وفتحِ الحرف الذي قبل الأخير لأنه فوق الثلاثي فصار “مُتَّهَم”، فالذي يعنيه الشاعر في البيت هو أنه تابع الشاعريْن كعبًا بنَ زهير وحسانًا بنَ ثابت رضي الله عنهما في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك فإن له فيهما أسوةَ برٍّ لا يُتَّهَم.

الخاتمة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على أشرف أنبياءه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فبهذا الوجيز اختتمت هذه المقالة التي بعنوان: “وقوع صيغة “مُفْتَعَل” مصدرا ميميا واسمَ مفعولٍ في قصيدة كشف الغمة في مدح سيد الأمة لمحمود سامي البارودي”، وقد حاولت المقالة أن تستقري القصيدة الطويلة لتستخرج المصادرَ الميمية وأسماء المفاعيلالتي وردت في المقالة على صيغة “مُفْتَعَل”،وتدرسها دراسة صرفية، مع ذكر أصولها وأبوابها والأحرف التي زيدت فيها، ثم المعاني التي أفادتها الزيادة في بعض الشواهد، وقد اطلعت المقالة على أن القصيدة تحمل في طياتها ثلاثين مصدرا ميميا وأحد عشَر اسمَ مفعول على صيغة “مُفْتَعَل”، وتناول ثمانيَ صيغ للمصادر الميمية وخمسًا لأسماء المفاعيل بالدراسة.

المصادر والمراجع:

  1. أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، معجم اللغة العربية المعاصرة، الطبعة: الأولى، 1429 هـ – 2008م، الناشر: عالم الكتب، ج:3،
  2. ابن مالك، أبو عبد الله، جمال الدين محمد بن عبد الله، الطائي الجياني، ألفية ابن مالك، الناشر: دار التعاون،
  3. ابن هشام، أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ج:3،
  4. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، السنن الكبرى، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ – 2003م، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات، ج:10
  5. الحملاوي، أحمد بن محمد، شذا العرف في فن الصرف، المحقق: نصر الله عبد الرحمن نصر الله، الناشر: مكتبة الرشد الرياض.
  6. [1]العقاد، عباس محمود، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مكتبة النهضة الحديثة بمصر، ط:3،
  7. الفيومي، أحمد بن محمد بن علي ثم الحموي، أبو العباس، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الناشر: المكتبة العلمية – بيروت، ج:2،
  8. شوقي ضيف، البارودي رائد الشعر الحديث، دار المعارف بمصر، ط:2،
  9. صلاح الدين، عبد التواب، محمد، مدارس الشعر العربي في العصر الحديث، دار الكتاب الحديث، 2005م، 
  10. مجمع اللغة العربية بالقاهرة (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، المعجم الوسيط، الناشر: دار الدعوة، ج:2،
  11. محمد عبد العزيز النجار، ضياء السالك إلى أوضح المسالك، الطبعة: الأولى 1422هـ – 2001م، الناشر: مؤسسة الرسالة، ج:3،
  12. محمد عيد، النحو المصفى، الناشر: مكتبة الشباب،
  13. الموسوي، خليل،مقدمة كتاب “البارودي رائد النهضة الحديثة”، دار ابن كثير، دمشق، ط:1، 1999م،

[1] الجراكسة والترك هم آخر طبقة من الغرباء قد وفدوا على مصر، واتخذوها وطنًا لهم.

[2]الموسوي، خليل،مقدمة كتاب “البارودي رائد النهضة الحديثة”، دار ابن كثير، دمشق، ط:1، 1999م، ص:21.

[3]صلاح الدين، عبد التواب، محمد، مدارس الشعر العربي في العصر الحديث، دار الكتاب الحديث، 2005م،  ص:4.

[4]نفس المرجع والصفحة.

[5]شوقي ضيف، البارودي رائد الشعر الحديث، دار المعارف بمصر، ط:2، ص:99.

[6]العقاد، عباس محمود، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مكتبة النهضة الحديثة بمصر، ط:3، 1965م، ص:126.

[7]نفس المرجعوالصفحة.

[8]نفس المرجع والصفحة.

[9]البعيني، المرجع السابق، ص:9.

[10]محمد عبد العزيز النجار، ضياء السالك إلى أوضح المسالك، الطبعة: الأولى 1422هـ – 2001م، الناشر: مؤسسة الرسالة، ج:3، ص:47.

[11]محمد عيد، النحو المصفى، الناشر: مكتبة الشباب، ص:428.

[12]البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، السنن الكبرى، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ – 2003م، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات، ج:10، ص:340.

[13]محمد عبد العزيز النجار، المرجع السابق، ج:3، ص:48.

[14]ابن هشام، أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ج:3، ص:216.

[15]نفس المرجع والصفحة.

[16]الحملاوي، أحمد بن محمد، شذا العرف في فن الصرف، المحقق: نصر الله عبد الرحمن نصر الله، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، ص:63.

[17]ابن مالك، أبو عبد الله، جمال الدين محمد بن عبد الله، الطائي الجياني، ألفية ابن مالك، الناشر: دار التعاون، ص:42.

[18]محمد عيد، المرجع السابق، الناشر: مكتبة الشباب، ص:667.

[19]مجمع اللغة العربية بالقاهرة (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، المعجم الوسيط، الناشر: دار الدعوة، ج:2، ص:734.

[20]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، معجم اللغة العربية المعاصرة، الطبعة: الأولى، 1429 هـ – 2008م، الناشر: عالم الكتب، ج:3، ص:1812.

[21]نفس المرجع، ج:1، ص:653.

[22]مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المرجع السابق، ج:2، ص:605.

[23]الفيومي، أحمد بن محمد بن علي ثم الحموي، أبو العباس، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الناشر: المكتبة العلمية – بيروت، ج:2، ص:638.

[24]نفس المرجع، ج:2، ص:612.

[25]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:1، ص:726.

[26]نفس المرجع، ج:3، ص:1729.

[27]ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ – 1979م، ج:2، ص:245.

[28]نفس المرجع، ج:3، ص:1984.

[29]سورة غافر، الآية:60.

[30]الواحدي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي، النيسابوري، الشافعي، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، الطبعة: الأولى، 1415هـ، دار النشر: دار القلم , الدار الشامية – دمشق، بيروت، ص:948.

[31]إن كانت فاؤه دالا أو ذالا او زايا، ابدلت تاؤه دالا كادعى واذدكر وازدهى (وأصلها ادتعى واذتكر وازتهى) (الغلايينى، مصطفى بن محمد سليم، جامع الدروس العربية، الطبعة: الثامنة والعشرون، 1414 هـ – 1993م، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، ج:2، ص:124)

[32]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:3، ص:1906.

[33]نفس المرجع، والصفحة.

[34]سورة غافر، الآية:28.

[35]مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المرجع السابق، ج:1، ص:517.

[36]إن وقعت فاء “افتعل” صادا أو ضادا أو طاء أو ظاء ابدلت تاؤه طاء كاصطفى واضطجع واطرد واضطلم، (وأصلها اصتفى واضتجع واطترد واظتلم)، (الغلايينى، المرجع السابق، ج:2، ص:124).

[37]مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المرجع السابق، ج:1، ص:518.

[38]سورة آل عمران، الآية:33.

[39]الفيومي، المرجع السابق، ج:1، ص:131.

[40]أحمد مختار عبد الحميد عمر (الدكتور)، المرجع السابق، ج:1، ص:481.

[41]نفس المرجع، ج:3، ص:2501.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *